رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٢٣ - رسالة فى النفس و بقائها و معادها ابن سينا
الامور غير مادية ان هذه الامور لو كانت بالذات مادة لما كانت تعقل خيرا و شرا و موافق و مخالف الا عارضية بالجسم و قد يعقل فبين ان هذه امور هى فى انفسها غير مادية و قد عرض لها ان كانت مادية و الوهم انما ينال و يدرك امثال هذه الامور و اذا هو يدرك امورا غير مادية و يأخذها شىء بلا مادة فهذا النوع اذا اشتد استقصاء و اقرب الى البساطة فى النوعين الاولين الّا انه مع ذلك لا يجرد هذه الصورة عن لواحق [١] لانه يأخذها جزئية و بحسب مادة مادة بالقياس اليها او بمشاركة الخيال فيها و انا القوة التي تكون الصور المستثبتة فيها اما صور موجودات ليست بمادية [٢] البتة و لكن قد يعرض لها ان يكون مادية و صور موجودات مادية و لكن مبراة عن علائق المادة من كل وجه فبين انها تدرك الصور بان يأخذها احدا مجردا عن المادة من كل وجه اما ما هو متجرد بذاته عن المادة فالامر فيه ظاهر و اما ما هو موجود للمادة اما لان وجوده مادى و اما عارض له ذلك فنزعها عن المادة و عن لواحق المادة معها فيأخذها اخذا مجردا حتى يكون الانسان الذي يقال على كثيرين فيأخذ الكثير طبيعة واحدة و يقدره من كل كم و كيف و اين و وضع مادى ثم تجرده عن ذلك بما صلح ان يقال على الجميع فبهذا يفرق ادراك الحاكم الحس و ادراك الحاكم الخيال و ادراك الحاكم الوحى و ادراك الحاكم العقل و الى هذا المعنى كما نسوق الكلام فى هذا الفصل.
الفصل الرابع [٣]: فنقول ان المدرك من الصور الجزئية كما يدركه الحواس الظاهرية على هيئته غير تامة التجريد و التفريد عن المادة و لا مجردة اصلا عن علائق المادة و الأمر فيه واضح سهل و ذلك لان هذه الصور انما يدرك ما دامت المواد حاضرة و موجودة فالجسم الحاضر الموجود انما يكون حاضرا موجودا عنده جسم و ليس يكون حاضرا عندنا ما ليس بجسم فانه لا نسبة له الى قوة مفردة من جهة الحضور [٤] فان الشىء الذي ليس [٥] فى مكان لا يكون للشىء
[١] المادة
[٢] و لا تعرض لها ان تكون مادية او صور موجودات ليس بمادية
[٣] فى الدلالة على كل ما كان منه القوى مدركا لحس يدركها الا بآلة
[٤] و الغيبة
[٥] يكون.