سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٣ - الحادية عشرة
أنا شربت ترياقا قال: أو تعلقت تميمة أو قلت الشّعر من قبل تعس»
أي من جهة تعسي، فخرج به ما قاله حاكيا و عن غيره لا عن نفسه، كما في الصّحيح صدق كلمة قالها الشّاعر كلمة لبيد.
أ لا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل* * * ................ ..
و سيأتي الكلام على حديث ابن عمرو- رضي اللّه تعالى عنه- في المسألة الآتية.
قال الإمام إبراهيم الحربيّ، و لم يبلغني أنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنشد بيتا تامّا رويته بل إما الصدر كقول لبيد:
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل* * * ................ .......
أو العجز كقول طرفة:
................ ......* * * و يأتيك بالأخبار من لم تزوّد
فإن أنشد بيتا كاملا غيره كبيت العبّاس بن مرداس.
و روى البيهقيّ عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: ما جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيت شعر قطّ.
و روى ابن سعد عن الزّهري قال: قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هم يبنون المسجد:
هذا الحمال لا حمال خيبر* * * هذا أبرّ ربّنا، و أطهر
قال: فكان الزّهريّ يقول: إنّه لم يقل شيئا من الشعر إلا قد قيل قبله أو نوى ذاك إلا هذا.
قال العلماء- رحمهم اللّه تعالى-
و ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الرّجز كقوله:
هل أنت إلّا أصبع دميت* * * و في سبيل اللّه ما لقيت
و غيره محمول على أنّه لم يقصده و لا يسمّى شعرا إلا ما كان مقصودا، و كذا وقع في القرآن آيات موزونة، لأنّها لم تقصد.
و قد قال أهل البديع: إنّ الانسجام هو أن يكون الكلام لخلوّه من الانعقاد متحدرا كتحدّر الماء المنسجم و يكاد لسهولة تركيبه و عذوبة ألفاظه أن يسيل رقّة و إذا قوي الانسجام في النثر جاءت فقراته موزونة بلا قصد لقوّة انسجامه، و من ذلك ما وقع في القرآن موزونا، فمنه من بحر الطويل: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف/ ٢٩] و من المديد وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [هود/ ٣٧].
و من البسيط: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف/ ٢٥].
و من الوافر: وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة/ ١٤].