سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٠ - الخامسة
طلاق زيد إيّاها، و هذا الذي كان يخفى في نفسه و لكنّه لزم ما يحبّ من الأمر بالمعروف.
و قال القاضي، و الحافظ، و غيرهما: و ما زعمه هؤلاء من أن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) هوي امرأة زيد و أحبّ طلاقها، و أنّه أخفى ذلك عن زيد حين استشاره في طلاقه غيره صحيح، و إن صحّ عن قائله فهو منكر من القول يتحاشى جانب النّبوّة عنه، إذ كيف يتصوّر أنّ سيّد الأوّلين و الآخرين ينظر إلى زوجة رجل من أصحابه الخصّيصين الّذي ادّعاه ولدا له و أنّها تقع في خاطره، و أنّه يقصد فراق زوجها، ليتزوّجها، معاذ اللّه أن ينسب ذلك إليه، و لو نسب ذلك لآحاد النّاس لم يرضه لنفسه، و لا يرضاه أحد لغيره، و من قال هذه المقالة فقد اقتحم أمرا عظيما في جانب النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و خصوصا في زينب، فإنّها ابنة عمّته أميمة و نشأت بمكّة و رآها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل الحجاب و رآها مرارا كثيرة، و عرفها معرفة تامّة، و هو الذي خطبها لزيد و زوّجه إيّاها، فكيف يقال إنّه لما جاء إلى بيت زينب يطلبه و رآها أعجبته حينئذ حتّى عاتبه اللّه بسبب ذلك.
قال الحافظ: و قد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصّة عن السّدّيّ فساقها مساقا حسنا، و لفظه: بلغنا أنّ هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، و كانت أمّها أميمة بنت عبد المطّلب عمّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثمّ إنّها رضيت بما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فزوجها إياه ثم أعلم اللّه نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد أنّها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمره بفراقها، و كان لا يزال بين زينب و بين زيد ما يكون من النّاس، فلمّا أتاه زيد يشكو إليه قال له: «اتّق اللّه و أمسك عليك زوجك»، و كان يخشى النّاس أن يعيبوا عليه و يقولوا: تزوّج امرأة ابنه، و كان قد تبنّى زيدا، و عند ابن أبي حاتم أيضا عن عليّ بن الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنه قال: أعلم اللّه نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنّ زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزّوجها فلمّا أتاه زيد يشكو إليه قال له: «اتّق اللّه، و أمسك عليك زوجك»، قال اللّه تعالى: قد أخبرتك أني لمزوّجكها و تخفي في نفسك ما اللّه مبديه.
قال الحافظ: و وردت آثار أخرى أخرجها الطبري و ابن أبي حاتم و نقلها أكثر المفسّرين لا ينبغي التّشاغل بها، و الّذي أوردتّه منها هو المعتمد، و الحاصل أنّ الّذي كان يخفيه النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو إخبار اللّه تعالى إيّاه أنّها ستصير زوجته، و الّذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول النّاس: تزوّج امرأة ابنه، و أراد اللّه تعالى إبطال ما كان أهل الجاهليّة عليه من أحكام التّبنّي بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، و هو تزوّج امرأة الّذي يدعى ابنا في وقوع ذلك من إمام المسلمين، ليكون أدعى لقبولهم، و إنّما وقع الحبط في تأويل متعلق الخشية. انتهى و اللّه أعلم فرضي اللّه تعالى عن هذا الحافظ، و قدّس روحه، و نوّر ضريحه.
و قال الشيخ أبو حيّان: و هذا المرويّ عن عليّ بن الحسين، أي و السّدّيّ أصحّ ما قيل