سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٥ - السادسة عشرة
طلحة حدّثني أنس بن مالك كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعث خاله حراما أخا أم سليم في سبعين راكبا ... الحديث و هذا هو حرام بن ملحان فبهذا السّن خال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنّه لأمّ سليم، و لكن ما هي إلا خؤولة الرّضاعة، قلت: و هذا الّذي قاله فيه نظر، بل الضّمير في قوله في حديث أنس- رضي اللّه تعالى عنه- بعث لأمّ سليم عائدة على السن فإنّ حراما أخا أمّ سليم خال أنس بلا خلاف.
و قال النّوويّ: اتّفق العلماء على أنّها- يعني أمّ حرام- كانت محرمة له (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اختلفوا في كيفيّة ذلك، فقال ابن عبد البرّ و غيره: كانت إحدى خالاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الرّضاعة.
و قال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجدّه، لأنّ عبد المطّلب كانت أمّه من بني النّجّار، و تعقّبه ابن الملقّن فقال: ما ذكر من الاتّفاق على أنّها كانت محرما له فيه نظر، فمن أحاط بنسب النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و نسب أمّ حرام علم أنّه لا محرميّة بينهما، و النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) معصوم، و قد نهي عن الخلوة بالأجنبيّة نهي تحريم، فيحمل فعله هذا على الاختصاص و قد ادّعاه بعض شيوخنا.
و أجيب عن النّوويّ بأنّه لم يرد أن أمّ حرام كانت محرما من جهة النّسب، فإنّه أعلم النّاس بنسبهما، و إنّما أراد محرميّة الرّضاع التي حكاها ابن عبد البرّ و ذهب إليها بلا شكّ، و حكى القاضي أبو بكر بن العربيّ: كلام ابن وهب و قال غيره: بل كان النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) معصوما يملك إربه عن زوجته فكيف عن غيرها، و هو المبرّأ عن كل فعل قبيح، و قوله رفث فكان ذلك من خصائصه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال: و يحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، قال الحافظ: و ردّ بأنّ ذلك كان بعد الحجاب و القصّة كانت بعد حجّة الوداع.
و قال الحافظ الدّمياطي: زهل من زعم أنّ أمّ حرام إحدى خالات النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الرّضاعة أو من النّسب و كل من أثبت لها خؤولة تقتضي محرمية لأن أمهاته من النسب و اللاتي أرضعنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معلومات ليس فيهنّ أحد من الأنصار البتّة سوى أم عبد المطّلب و هي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عديّ بن النّجّار و أمّ حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عديّ بن النّجّار، فلا تجتمع أمّ حرام و سلمى إلا من عامر بن غنم جدّهما الأعلى، و هذه الخؤولة المذكورة لا تثبت بها محرميّة، لأنّها خؤولة مجازيّة، و هي
كقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسعد بن أبي وقّاص: «هذا خالي»
لكونه من بني زهرة و هي من أقارب أمّه آمنة بنت وهب، و ليس سعد أخا لآمنة لا من النّسب و لا من الرّضاع ثم قال الدمياطي على إنّه ليس في الحديث ما يدلّ على الخلوة بأمّ حرام، و لعلّ ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع.