سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦ - تنبيهات
قال السيد نور الدين: و الأقرب أن هذا كان في آخر الأمر بعد نقل الحمّى بالكلّية لكن قال الحافظ: لما رحل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة كان في قلّة من أصحابه فاختار الحمى، لقلّة الموت بها على الطاعون، لما فيها من الأجر الجزيل و قضيتها (إضعاف الأجساد) فلما أمر بالجهاد دعا بنقل الحمى إلى الجحفة، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشّهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل اللّه، و من فاته ذلك حصلت له الحمّى التي هي حظّ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة، يعني بعد كثرة المسلمين تمييزا لها عن غيرها قال السيد: و هو يقتضي عود شيء من الحمّى إليها بآخرة الأمر، و المشاهد في زماننا عدم خلوّها عنها أصلا لكنه ليس كما وصف أوّلا بخلاف الطاعون، فإنها محفوظة بالكلّيّة، فالأقرب أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمّا سأل ربّه تعالى لأمّته أن لا يلبسهم شيعا و لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعه ذلك، فقال في دعائه:
فحمّى إذا أو طاعونا أراد بالدعاء بالحمّى للموضع الذي لا يدخله الطاعون، فيكون ما بالمدينة اليوم ليس هو حمّى الوباء بل حمّى رحمة بدعائه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
الثاني: إنما دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنقل الحمّى إليها، لأنها كانت دار شرك، و لم تزل من يومئذ أكثر بلاد اللّه حمّى.
قال بعضهم: و إنّه ليتّقي شرب الماء من عينها التي يقال عين حم، فقلّ من شرب منها إلا حمّ.
و روى البيهقي عن هشام بن عروة قال: كان وباء بالمدينة معروفا في الجاهلية، و كان إذا كان بالوادي وباء فأشرف عليه الإنسان قيل له: انهق نهيق الحمار، فإذا فعل لم يضرّه وباء ذلك الوادي.
و روى ابن شيبة عن عامر بن جابر، قال: كان لا يدخل المدينة أحد من طريق واحد من ثنيّة الوداع فإن لم يعشّر بها أي ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد مات قبل أن يخرج منها، فإذا وقف على الثّنيّة قبل أن يدخل ودّع فسمّيت ثنية الوداع حتى قدم عروة بن الورد العبسيّ فقيل له: عشّر بها فلم يعشّر و أنشأ يقول:
لعمري لئن عشّرت من خشية الرّدى* * * نهاق حمير إنّني لجزوع
ثم دخل فقال: يا معشر يهود، ما لكم و للتّعشير؟ قالوا: إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها، فلم يعشّر بها إلا مات، أو لا يدخلها أحد من غير ثنيّة الوداع إلا قتله الهزال، فلما ترك عروة التعشير تركه الناس و دخلوا من كل ناحية.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
السكينة: الطمأنينة و الوقار.
ثائرة الرأس هاج و انتشر تقول: ثار الدخان و الغبار و ثار الدم بفلان و ثارت به الحصبة.