سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٢ - الخامسة
الأول: ما يقصد به الدعاء بالتسليم عليه من اللّه سواء كان بلفظ الغيبة أو الحضور كقولنا (عليه الصلاة و السلام) و يا رسول اللّه صلّى اللّه عليك و سلم أو عليك الصلاة و السلام سواء كان من الغائب عنه أو الحاضر عنه، و هذا هو الذي قيل باختصاصه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الأمة حتى لا يسلم على غيره من الأمة: إلا تبعا كالصلاة عليه فلا يقال فلان- (عليه السلام)-.
الثاني: ما يقصد به التحيّة كسلام الزائر إذا وصل إلى قبره و هو غير مختص به بل يعمّ الأمة و هو الردّ على المسلم بنفسه أو برسوله فيحصل ذلك منه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أما الأول: فاللّه أعلم فإن ثبت امتاز الثاني بالقرب و الخطاب و إلّا فقد جزم من يرد هذه الفضيلة و هو مقتضى ما فسّر به الحديث الإمام الجليل أبو [١] عبد الرحمن عبد اللّه بن يزيد المقبري أحد أكابر شيوخ البخاري حيث قال
في قوله: «ما من أحد يسلم عليّ»
الحديث هذا في الزيارة
«إذا زارني فسلّم عليّ ردّ اللّه عليّ روحي حتى أردّ عليه»،
و أما حديث
«أتاني ملك فقال يا محمد أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا و لا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا»
فالظاهر أنه في السلام على النوع الأول.
الخامسة
و بتحريم رفع الصوت على صوته، قال اللّه- سبحانه و تعالى-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات/ ٢] فنهى اللّه تعالى عن رفع الصوت فوق صوته و شدد النهي بقوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [الحجرات/ ٢] لارتكابكم لهذا الذنب فدلّ ذلك على أنه حرام بل كبيرة، لأنه توعّدهم على ذلك بإحباط العمل.
قال الإمام الرازي و الأصح أن المراد به رفع الصوت حقيقة لأنّ رفع الصوت دليل على قلة الاحتشام و ترك الاحترام.
قال العلماء: و معنى الآية الأمر بتعظيم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و توقيره و خفض الصوت بحضرته و عند مخاطبته أي إذا نطق و نطقتم فعليكم ألا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته و أن تغضّوا منها بحيث يكون كلامه غالبا لكلامكم و جهره باهرا لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة و سابقته واضحة.
قال القرطبي: في تفسيره و ليس الغرض برفع الصوت و لا الجهر ما يقصد به الاستخفاف و الاستهانة، لأن ذلك كفر و المخاطبون مؤمنون و إنّما الغرض صوت هو في نفسه و المسموع من حرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء و يوقّر به الكبراء فيتكلف الغض منه
[١] في ج ابن.