سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٦ - الثامنة
الرحمن، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، قال الملك: أشهد أن محمدا رسول اللّه، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أرسلت محمدا، فقال الملك: حيّ على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، ثم قال الملك: اللّه أكبر، اللّه أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر، ثم قال الملك: لا إله إلا اللّه، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ثم أخذ الملك بيد محمد فقدّمه، فأما أهل السموات فيهم آدم و نوح فيومئذ أكمل اللّه عز و جل لمحمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) الشّرف على أهل السموات و الأرض.
رواه البزّار بسند جيّد، و أبو الشيخ و ابن شاهين، و رواه عن عائشة، و رواه ابن شاهين عن محمد بن الحنفيّة، و رواه الطبراني و ابن شاهين عن ابن عمر و أسانيدها كلها تالفة كما بينت ذلك في بيان إتحاف البيت ببيان ما وضع في معراج البيت، قلت: في سنده زياد بن المنذر أبو الجارود، قال ابن معين: كذاب عدوّ اللّه.
و قال الذهبي و ابن كثير: هذا من وضعه، و أورده القاضي في الشفاء، و السّهيلي في الروض، و النووي في شرح مسلم ساكتين عليه و ما في الحديث من ذكر الحجاب فهو في حقّ المخلوق، لا في حقّ الخالق، فهم المحجوبون و البارئ جلّ اسمه تنزه عما يحجبه من الحجب إنما يحيط بقدر محسوس، و لكن حجبه عن أنصار خلقه، و بصائرهم و إدراكاتهم ما يشاء و كيف يشاء، لقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين ١٥]، فقوله في هذا الحديث: الحجاب و خروج ملك من الحجاب، يجب أن يقال: حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الاطّلاع على ما دونه من سلطانه و عظمته، و حجاب ملكوته و جبروته، و يدلّ عليه من الحديث قول جبريل (عليه السلام) من الملك خرج من ورائه، إنّ هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فدل أن هذا الحجاب لم يختص بالذات، و يدل عليه قول كعب رضي اللّه عنه في تفسير سدرة المنتهى إليها ينتهي علم الملائكة، و عندها يجدون أمر اللّه تبارك و تعالى لا يجاوزها علمهم، و أما قوله: «الذي يلي الرحمن»، فيعمل على حذف مضاف، أي يلي عرش الرحمن أو أمرا ما من عظيم آياته أو مبادئ حقائق معارفه، و كما هو أعلم به كما قال تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف ٨٢] أي أهلها، فقوله: «قيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، و أنا أكبر» ظاهره سمع في هذا الموطن كلام اللّه تعالى و لكن من وراء حجاب أي و هو لا يراه حجب بصره عن رؤيته، فإن صح القول بأن محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) رأى ربّه فيحمل في هذا الموطن بعد هذا و قبله رفع الحجاب عن بصره حتى رآه، قلت: و في هذا المعنى أحاديث بيّنت محالّها في باب بدء الأذان فراجعه.