سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٨ - الباب الحادي و العشرون في بعض آيات وقعت لسلمان الفارسي
فتشغلني عن كل ضيعة بهمّي بك، فخرجت لذلك فمررت بكنيسة النصارى و هم يصلون، فملت إليهم و أعجبني أمرهم، و قلت- هذا و اللّه خير من ديننا. فأقمت عندهم حتى غابت الشمس، لا أنا أتيت الضيعة، و لا رجعت إليه، فاستبطأني و بعث رسلا في طلبي، و قد قلت للنصارى حين أعجبني أمرهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام.
فرجعت إلى والدي، فقال: يا بني، قد بعثت إليك رسلا، فقلت: مررت بقوم يصلون في كنيسة، فأعجبني ما رأيت من أمرهم، و علمت أن دينهم خير من ديننا. فقال: يا بني، دينك و دين آبائك خير من دينهم، فقلت: كلا و اللّه. فخافني و قيّدني.
فبعثت إلى النصارى و أعلمتهم ما وافقني من أمرهم، و سألتهم إعلامي من يريد الشام، ففعلوا فألقيت الحديد من رجلي، و خرجت معهم، حتى أتيت الشام، فسألتهم عن عالمهم، فقالوا: الأسقفّ، فأتيته، فأخبرته، و قلت: أكون معك أخدمك و أصلي معك؟ قال: أقم. فمكثت مع رجل سوء في دينه، كان يأمرهم بالصدقة، فإذا أعطوه شيئا أمسكه لنفسه، حتى جمع سبع قلال مملوءة ذهبا و ورقا، فتوفي، فأخبرتهم بخبره، فزبروني، فدللتهم على ماله فصلبوه، و لم يغيّبوه و رجموه، و أحلّوا مكانه رجلا فاضلا في دينه زهدا و رغبة في الآخرة و صلاحا، فألقى اللّه حبّه في قلبي، حتى حضرته الوفاة، فقلت: أوصى، فذكر رجلا بالموصل، و كنا على أمر واحد حتى هلك.
فأتيت الموصل، فلقيت الرجل، فأخبرته بخبري، و أن فلانا أمرني بإتيانك، فقال: أقم.
فوجدته على سبيله و أمره حتى حضرته الوفاة، فقلت له: أوصي، فقال: ما أعرف أحدا على ما نحن عليه إلا رجلا بعمّورية.
فأتيته بعمّورية، فأخبرته بخبري، فأمرني بالمقام و ثاب لي شيئا، و اتخذت غنيمة و بقيرات، فحضرته الوفاة فقلت: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحدا اليوم على مثل ما كنا عليه، و لكن قد أظلّك نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفيّة، مهاجره بأرض ذات نخل، و به آيات و علامات لا تخفى، بين منكبيه خاتم النبوّة، يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة، فإن استطعت فتخلص إليه. فتوفي.
فمر بي ركب من العرب، من كلب، فقلت أصحبكم و أعطيكم بقراتي و غنمي هذه، و تحملوني إلى بلادكم؟ فحملوني إلى وادي القرى، فباعوني من رجل من اليهود، فرأيت النخل، فعلمت أنه البلد الذي وصف لي، فأقمت عند الذي اشتراني، و قدم عليه رجل من بني قريظة فاشتراني منه، و قدم بي المدينة، فعرفتها بصفتها، فأقمت معه أعمل في نخله، و بعث اللّه نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و غفلت عن ذلك حتى قدم المدينة، فنزل في بني عمرو بن عوف، فإني لفي رأس