سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٨ - الثالثة و التسعون
الحادية و التسعون.
و بتولّي اللّه سبحانه تعالى الرّدّ على أعدائه عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بخلاف من تقدمه من الأنبياء، كانوا يدافعون عن أنفسهم و يردّون على أعدائهم لقول نوح: يا قَوْمِ، لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ [الأعراف ٦١] و قول هود: يا قَوْمِ، لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ [الأعراف ٦٧] و أشباه ذلك و نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم) تولّى اللّه سبحانه و تعالى تبرئته عما نسب إليه أعداؤه و ردّ عليهم بنفسه. فأجاب حين قالوا: «مجنون»: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم ٢] و أجاب عنه تعالى حين قالوا: «هو شاعر» فقال: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ [يس ٦٩] فنفى اللّه تبارك و تعالى عنه الشّعر بسائر الأوزان.
و أجاب سبحانه و تعالى عنه حين قالوا: «افترى القرآن»، فقال عز و جل: وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس ٣٧].
الافتراء: الكذب.
و أجاب تبارك و تعالى اسمه عنه حين قالوا: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فقال عز و جل: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل ١٠٣] و أجاب تقدس اسمه عنه حين قال العاص بن وائل، إنه أبتر، فقال سبحانه و تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر ٣].
الثانية و التسعون.
و بمخاطبته سبحانه و تعالى له بألطف ما خاطب به الأنبياء، فإن اللّه تعالى قال لداود ع: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص ٢٦] و قال عن نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم): وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم ٣]، تنزيها له عن ذلك بعد الإقسام عليه، و قال عن موسى:
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [الشعراء ٢١] و قال عن نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم): وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال ٣٠] الآية فكنّى عن خروجه و هجرته بأحسن العبارات و لم يذكره بالفرار الذي فيه نوع من الغضاضة.
الثالثة و التسعون.
و بأنّه تعالى قرن اسمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) باسمه في كتابه في ثمانية مواضع:
أوّلها: الطّاعة، قال اللّه تبارك و تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء ٨٠] و قال عز و جل: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ [آل عمران ٣٢] و آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ [الحديد ٧] فجمع بينهما بواو العطف المشركة، و لا يجوز جمع هذا الكلام في حقّ غيره (صلّى اللّه عليه و سلّم).
ففي سنن أبي داود عن حذيفة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا يقولنّ