سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١١ - العاشرة
الكتابة كالإمام الباجي و أبي ذرّ الصرويّ و أبو الفتح النيسابوري و أبي جعفر السمناني الأصولي.
و قالوا: عدم معرفته كان بسبب المعجزة و لما أمن الارتياب في ذلك عرف حينئذ الكتابة من غير تقدّم تعليم فكانت معجزة أخرى، و رجع عن ذلك أبو ذرّ كما في المعجزات سيأتي.
فكانت معجزته عن ذلك أمور كما الجواب أن قصّة الحديبية واحدة، و قد وردت بألفاظ مختلفة و إن الكاتب فيها هو عليّ لما وقع التصريح به في حديث المسوّر
و في رواية في حديث البراء ذكره البخاري في الجزية قال: قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعليّ: «أمح رسول اللّه فقال علي: و اللّه لا أمحاه أبدا قال فأرنيه، قال: فأراه إياه فمحاه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده.
و ذكر مسلم نحوه. فيحتمل أنّ النّكتة في قوله «فأخذ الكتاب و ليس يحسن أن يكتب لبيان قوله أرني إيّاها، إنّه ما احتاج أن يريه موضع الكلمة و الّتي امتنع علي من محوها إلّا لكونه كان لا يحسن الكتابة، و على أنّ قوله بعد ذلك، «فكتب» فيه حذف تقديره فمحاها، فأعادها لعليّ فكتب، و بهذا جزم ابن التين قلت: هذا و يحمل قوله «فكتب» عليّ أنه أمر بالكتابة ...
و يؤيّده الرّواية الأخرى للبخاريّ من حديث أنس- رضي اللّه تعالى عنه- بلفظ: لما صالح النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهل الحديبية كتب عليّ بينهم كتابا فكتب: محمّد رسول اللّه، فتحمل الرواية الأولى على أنّ قوله: فكتب أي فأمر بالكتابة و هو كثير لحديث ابن عبّاس: كتب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى قيصر، و حديث كتب إلى النّجاشيّ.
و حديث عبد اللّه بن حكيم: كتب إلينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و حديث كتب إلى كسرى.
و يدلّ عليه أيضا
رواية المسوّر في الصّحيح أيضا في هذه القصّة ففيها: «و اللّه، إنّي رسول اللّه، و إن كذبوني فاكتب: محمّد بن عبد اللّه».
و حكى مغلطاي في الزّهر الباسم، أنّ الحافظ أبا ذرّ الهرويّ رأى في المنام أنه دخل مسجد المدينة فرأى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينشقّ و يميد و لا يستقرّ، فاندهش لذلك، و قال في نفسه: لعل هذا بسبب اعتقادي، ثم عقدت التوبة مع نفسي فسكن و استقر، فلما استيقظ قص الرؤيا على ابن معور فعبرها له كذلك الحافظ ابن معور، من غير أن ينسبه إلى نفسه فقال ابن معور: بغير صنعته أو ينحله ما ليس له بأهل و لعلّه مفترى عليه.
فقال: من أين قلت هذا؟ قال: من قول اللّه تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً، وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم/ ٩٠- ٩١- ٩٢] فقال: للّه درّك و أقبل يقبّل عينيه مرّة و يبكي و يضحك مرة