سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٨ - تنبيهان
كثيرة من ذلك أكثر ما تقع رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في اليقظة بالقلب ثم يترقى إلى أن يرى بالبصر و قد تقدم الأمر أن في كلام القاضي أبي بكر بن العربي لكن ليست الرؤية البصرية كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض و إنما هي جمعية حالة و برزخية و أمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشر و هل الرؤية لذات المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بجسمه و روحه أو لمثاله؟ الذين رأيتهم من أرباب الأحوال يقولون بالثاني و به صرح الغزالي فذكر كلامه السابق أولا، قال: فصّل القاضي أبو بكر بن العربي فقال رؤية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صفته المعلومة إدراك على الحقيقة و رؤيته على غير صفته ادراك للمثال، و هذا الذي قاله في غاية الحسن و لا يمتنع رؤية ذاته الشريف بجسده و روحه و ذلك لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سائر الأنبياء أحياء ردّت إليهم أرواحهم كما سيأتي بيان ذلك في باب حياته في قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذكر الوفاة ثم قال الشيخ فإن قال قائل يلزم على هذا إثبات الصحبة لمن رآه؟
و الجواب أن ذلك ليس بلازم أما إن قلنا بأن المرئي المثال فواضح، لأن الصحبة إنما ثبتت برؤية ذاته الشريفة (صلّى اللّه عليه و سلّم) جسدا و روحا، و إن قلنا: المرئي الذات فشرط الصحبة أن يراه في عالم الملكوت و هذه الرؤية لا تثبت صحبته و يؤيد ذلك أن الأحاديث وردت بأن جميع أمته عرضوا عليه فرآهم و رأوه، و لم تثبت الصحبة للجميع، لأنها رؤية في عالم الملكوت فلا تقيد الصحبة، و الحاصل مما تقدم من الأجوبة ستة.
أحدها: التشبيه و التمثيل دل عليه قوله في الرواية الأخرى «فكأنما رآني في اليقظة».
ثانيهما: أن معناه سيراني في اليقظة و تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.
ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
رابعها: المراد أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك و هو أبعد المحامل كما قال الحافظ.
خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه حينئذ من لم يره في المنام.
سادسها: يراه في الدنيا حقيقة و يخاطبه و قال القرطبي قد تقرر أن الذي يرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها، غير أنّ الأمثلة تارة تقع مطابقة و تارة يقع معناها، فمن الأول رؤياه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعائشة و فيه «فإذا هي أتت» فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه.
و من الثاني: رؤيا البقر التي تخر المذكورة في قصة أحد، و المقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور.
و من فوائد رؤيته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ليعمل على مشاهدته و الى تلك الإشارة