سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٥ - تنبيهان
و أما أن جمعا جمّا رآه في المنام فلم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة فليس بلازم لاحتمال أن يكونوا رأوه و كتموا ذلك، إذ لم يقولوا ما رأيناه و قد ألف شيخنا- (رحمه اللّه تعالى)- في ذلك مؤلفا حافلا سماه تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي و الملك و أنا أذكر مقاصده هنا.
فقال بعد أن ذكر الأحوال السابقة و قال قوم: هو على ظاهره فمن رآه في النوم فلا بد أن يراه في اليقظة يعني: بعين رأسه، و قيل: بعين في قلبه حكاهما القاضي أبو بكر العربي.
و قال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في (تعليقه) [١] على الأحاديث التي انتقاها من البخاري هذا الحديث يدل على أن من رآه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النوم فسيراه في اليقظة و هل هذا على عمومه في حياته و بعد مماته أو هذا في حياته؟ و هل ذلك لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية و الاتباع لسّنته- (عليه الصلاة و السلام)-، و اللفظ على العموم و من يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمتعسّف ثم ذكر ما تقدم نقله عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- ثم قال فذكر عن السلف و الخلف و هلم جرا عن جماعة ممن كانوا رأوه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النوم و كانوا مما يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد ذلك يقظة و سألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها و نصّ لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة و لا نقص.
قال: و المنكر لهذا لا يخلو إما أن يصدق بكرامات الأولياء، أو يكذب بها، فإن كان ممن يكذب بها فسقط البحث معه فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، و إن كان مصدقا بها فهذه من ذلك القبيل، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي و السفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك انتهى.
قال الشيخ: و قوله إن ذلك عام و ليس بخاص بمن فيه الأهلية و الاتباع لسنّته- (عليه الصلاة و السلام)- مراده وقوع الرؤية الموعود بها في اليقظة على الرؤية في المنام و لو مرة واحدة، تحقيقا لوعده الشريف الذي لا يخلف و أكثر ما يقع ذلك للعامة قبيل الموت عند الاحتضار فلا تخرج روحه من جسده حتى يراه في المنام و لو مرة وفاء بوعده، و أما غيرهم فتحصل لهم الرؤية طول حياتهم، إما كثيرا و إما قليلا بحسب اجتهادهم و محافظتهم على السنّة و الإخلال بالسنة مانع كبير و قال الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» ثم إنني لما فرغت من العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية و القدر الذي أذكره لينتفع به إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة و أن سيرهم و سيرتهم أحسن السير و طريقتهم أحسن الطرق و أخلاقهم أذكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء و حكمة الحكماء
[١] في ج تعاقبه.