سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٢ - السادسة و العشرون
الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حس أو غيره تصور فيها و هي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها و لا شين و كذلك يقال في كلامه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في النوم إنه يعرض على سنة فما وافقها فهو حق، و ما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق و الخلل إنما هو في سمع الرائي، أو بصره.
قال: و هذا خير ما سمعته في ذلك.
قال الحافظ: و يظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه و لو كانت سائر الصّفات مخالفة و على ذلك فتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا تحتاج إلى تأويل و عليها يتنزل قوله «فقد رأى الحق» و مهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك، و يصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة من ذلك فقد رآه حقيقة و قال الغزالي: ليس معنى قوله «رآني» أنه رأى جسمي و بدني و إنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، و كذلك قوله «فسيراني في اليقظة» و ليس المراد أنه يرى جسمي و بدني قال و الآلة تارة تكون حقيقية، و تارة تكون خيالية و النفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى و لا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق، قال و مثل ذلك من يرى اللّه- سبحانه و تعالى- في المنام قال فإن ذاته منزهة من الشكل و الصورة، و لكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس، من نور أو غيره و يكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف، فيقول: الذي رأيت اللّه تعالى في المنام لا يعني رأيت ذات اللّه كما تقول في حق غيره.
و قال الأستاذ أبو القاسم القشيري، ما حاصله: أن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو فإنه لو رأى اللّه تبارك و تعالى على وصف يتعالى عنه و هو يعتقد أنه منزه عن ذلك و يقدح في رؤيته، بل تكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل.
و قال الطيبي: المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر و يعلم أنه رآني الرؤيا الحق التي هي من اللّه تعالى و هي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي، و كذا أقوله فقد رأى الحق أي رؤية الحق للباطل، و كذا قوله: «فقد رآني» فإن الشرط و الجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء و ذكر الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة ما ملخصه أنه يؤخذ من
قوله «فإن الشيطان لا يتمثّل بي»
أن من تمثلت صورته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في خاطره من أرباب القلوب و تصور له في عالم سره أنه يكلمه، إن ذلك يكون حقا، بل ذلك أصدق من مرأى غيرهم لما منّ اللّه تعالى به عليهم من تنوير قلوبهم.