سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦١ - السادسة و العشرون
إبليس أن يظهر بصورة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم إن إبليس اللعين قد تراءى لكثيرين و خاطبهم بأنه الحق طلبا لإضلالهم، و قد أضل جماعة بمثل هذا- حتى ظنوا أنهم رأوا الحق و سمعوا خطابه.
فالجواب من وجهين أحدهما: أن كل عاقل يعلم أن الحقّ- سبحانه و تعالى- ليست له صورة معينة توجب الاشتباه بخلاف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإنه ذو صورة معينة معلومة مشهورة.
و الثاني: أن مقتضى حكم اللّه تعالى أنه يضل من يشاء و يهدي من يشاء بخلاف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإنه متصف بصفة الهداية، و ظاهر بصورتها فوجب عصمة صورة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أن يظهر بها شيطان لبقاء الاعتماد، و ظهور حكم الهداية فيمن شاء اللّه هداية به (صلّى اللّه عليه و سلّم).
قال القاضي أبو بكر بن الطيب: المراد
بقوله «من رآني في المنام فقد رآني»
أن رؤياه صحيحة، لا تكون أضغاثا، و لا تكون من تشبيهات الشيطان قال: و يعضده قوله في بعض طرقه «فقد رأى الحق» و في قوله «فإن الشيطان لا يتمثل بي» إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا.
و قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله فإن رآه على غيرها كانت تأويلا لا رؤيا حقيقية، فإن من الرؤيا ما يخرج على وجهه و منها ما يحتاج إلى تأويل.
قال النووي و هذا الذي قاله ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري قال الحافظ: و هذا الذي رده النووي روي عن ابن سرين أمام المعبرين اعتباره فقد روى: إسماعيل بن إسحاق بسند صحيح عن أيوب قال كان محمد- يعني- ابن سيرين إذا قص رجل أنه رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال صف الذي رأيته فإن وصف له صبغة لم يعرفها قال لم تره و الذي قاله القاضي توسط حسن و يمكن الجمع بينه و بين ما قاله المازري، بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير، و إن كان على غير صورته كان النقص من جهة الرأي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه و يحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير و على ذلك جرى علماء التعبير فقالوا: إذا قال الجاهل رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإنه يسأل عن صفته فإن وافق الصفة المرئية و إلا فلا يقبل منه.
قال الحافظ: و ذهب الشيخ ابن أبي جمرة إلى ما اختاره النووي فقال بعد أن حكى الخلاف، و منهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذلك حسن، في دين الرائي، و إن كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص، فذلك خلل في الرائي من الدين، قال: و هذا هو الحق و قد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب و به تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أولا لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نوراني مثل المرآة