سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨١ - تنبيهان
عن صعقة موسى و ما جرى له مع ملك الموت، و الكلّ من رواية أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه- و أجيب بأجوبة. قال: الصّحيح منها ما ذهب إليه الإمام العلّامة الحافظ أبو شامة المقدسي، و قال: إنّه جواب صحيح أرشد إليه أبو عمرو بن الحاجب قال: ثمّ وجدت تقريره في الكتاب و السّنّة عن واحد من العلماء، أنّ هذه الصّعقة المذكورة في الحديث ليست النّفخة الواقعة في آخر الدّنيا، و لا الثّانية التي يعقبها نشور الموتى من قبورهم، فإنّما هي صعقة كما في النّاس يوم القيامة، فيصعق من في السّماوات و الأرض إلا من شاء اللّه، و هي المشار إليها في آية الزّمر، و ذلك أوّل من حملها على صفة آخر الدّنيا، و الدّليل على أنّ في آخر يوم القيامة صعقة قوله تعالى فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [الطور/ ٤٥] و هذا ظاهر في يوم تعمّهم فيه الصّعقة، فأصعق معهم فأكون أوّل من يفيق و في رواية: «فأكون أوّل من تنشقّ عنه الأرض» قال: و هذا و اللّه أعلم تفسير من الرّاوي، و اللّفظ الأوّل أولى أن يكون محفوظا، و هو
قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من يبعث» فظنّ بعض الرّواة أن المراد من ذلك البعث من القبور
فقال: أوّل من تنشقّ عنه الأرض و النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أول من تنشق عنه الأرض حقّا كما جاء في حديث آخر، لكن هذا الحديث لا يحتمل هذا اللّفظ لأجل قوله: «يوم القيامة»
ففي البخاري عن أبي سعيد- رضي اللّه تعالى عنه- عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «إنّ النّاس يصعقون يوم القيامة، فأكون أوّل من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش»،
فهذا نصّ في أن النّاس يصعقون في يوم القيامة، و هو تفسير ما في آخر الزّمر كما مضى في بعض ألفاظ الحديث الصّحيح، و طرق الحديث و اختلاف ألفاظه إذا أمكن الجمع بينها لم يضرّ بعضها بعضا، و عند ذلك تظهر المناسبة في تردّد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أن موسى حوسب بصعقة الطّور، لأنّها من جنس ما أصاب النّاس، و قدّر اللّه أنّ بعض النّاس مستثنى منه بقوله: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر/ ٦٨] فجاز أن يكون منهم، و نحوه أجاب ابن القيّم. و أنّه قال: فإن قيل: فما يصعقون؟ بقوله «فلا أدري أفاق قبلي، أما كان ممّن استثنى اللّه- عزّ و جلّ»، و الّذين استثناهم [١] اللّه- عزّ و جلّ-، هم مستثنون من صعقة النّفخة لا من صعقة يوم القيامة، كما قال اللّه تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر ٦٨]. ثم نفخ فيه أخرى و لم يقع الاستثناء في صعقة الخلائق يوم القيامة، قيل: هذا- و اللّه أعلم- غير محفوظ، و هو و هم من بعض الرّواة، و المحفوظ ما تواطأت عليه الرّوايات الصّحيحة من قوله: «لا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطّور»، فظنّ بعض الرواة أنّ هذه الصعقة، هي صعقة النّفخ، و أنّ موسى داخل فيمن استثنى اللّه تعالى منها، و هذا لا يلتئم على سياق الحديث قطعا، فإنّ الإفاقة حينئذ
[١] في ح (اصطفاهم).