سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - الباب الثاني في فوائد تتعلق بكرامات الأولياء نفعنا اللّه تعالى بهم
أبو القاسم الجنيد (رحمه اللّه تعالى): مشى رجال باليقين على الماء، و مات بالعطش أفضل منهم، لأنهم يقصدون ادّخار الكرامة للآخرة، و يدلّك على ما ذكرنا من أنّ الكرامة لا تدلّ على الأفضليّة كثرة الكرامات، بعد زمن الصحابة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: و ذلك لأنّ إيمان الصحابة قويّ بخلاف إيمان من بعدهم فاحتاجوا إلى زيادة تقوى إيمانهم، و أيضا فلأن الزمان الأول كثير النّور لا يفتقرون لزيادة تقوى، و لو حصلت لم تظهر لاضمحلالها في زمن النبوّة بخلاف الظّلام، و النجوم لا يظهر لها ضوء مع الشمس، و لهذا قال بعض المشايخ في مريم ابنة عمران رضي اللّه عنها: إنها كانت في بدايتها يصرف إليها بخرق العادة بغير سبب، تقوية لإيمانها، فكانت كلّما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال: يا مريم أنّى لك هذا؟ قالت: هو من عند اللّه، و لمّا قوي إيمانها ردت البيت، فقيل لها: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [مريم ٢٥]، و لهذا سأل موسى ربّه مع كمال رتبته بقوله: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف ١٤٣] لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص ٢٤] قال عليّ و غيره: و اللّه، ما طلب إلا خبزا يأكله، و نادى باسم الربوبية، فإن الربّ من ربّاك بإحسانه، و غنّاك بإنعامه، فإن قلت: فلأي شيء لم يطلب الخليل (عليه الصلاة و السلام) حين رمي بالمنجنيق في النار، قد تعرّض له جبريل، و قال: أ لك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا، و أمّا إلى اللّه فلي، قال: سله قال:
حسبي من سؤالي علمه بحالي؟ فالجواب: أن الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام) يعاملون كلّ مقام بما يفهمون عن اللّه تعالى أنه الأليق بهم، ففهم إبراهيم (عليه الصلاة و السلام) أنّ مراد الحقّ في ذلك المقام، عدم إظهار الطّلب و الاكتفاء بالعلم، فكان فهمه لأنّ الحقّ أراد أن يظهر من قوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة ٣٠] في جواب أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ [البقرة ٣٠] قال سيدي أبو الحسن الشّاذليّ فكأنّه يقول: يا من؟ قال:
أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء كيف رأيتم إبراهيم خليلي؟ و إنما تصدر الكرامة و إخفاءها، نص على ذلك القشيريّ و غيره، و قد يكون بقلب العين و هي الأرض و كلام الجماد، و برء العلل، و نبع الماء و الاطّلاع على الضمائر، و جفاف البحر، و كلام الموتى، ففي رسالة الشيخ أبي القاسم القشيريّ (رحمه اللّه تعالى) بإسناده أن أبا عبيدة السري (رحمه اللّه تعالى) غزا سنّة، فجرح في السّريّة فمات المهر، و هو في السرية فقال: يا ربّ، أعرني إيّاه إلى [بسر يعني قريته] فإذا المهر قائم، فلما غزا و رجع قال لابنه خذ السّرج عن المهر، فقال: إنّه عرق، فقال:
إنّه عارية، فلما أخذ السّرج وقع ميّتا.