سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٨ - الباب الثاني في فوائد تتعلق بكرامات الأولياء نفعنا اللّه تعالى بهم
و الأحاديث، و الآثار المسندة الخارجة عن الحصر و التّعداد، و آحادها و إن لم تتوافر فالمجموع يفيده القطع بلا إشكال.
أمّا الكتاب فقصّة أهل الكهف، و قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة و السلام، و قصّة ذي القرنين، و ما أخبر اللّه في مريم بقوله: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران ٣٧] قال ابن عباس و غيره: و كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، و فاكهة الصيف في الشتاء، و قوله تعالى:
وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا [مريم ٢٥] و قصة آصف بن برخيّا (عليه السلام) مع سليمان (عليه السلام) في إحضاره عرش بلقيس قبل ارتداد الطّرف، كما قال عزّ و جلّ: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل ٤٠] و أما السّنة
فقد روى الشيخان من حديث جريج أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «كان في الأمم محدّثون، فإن يكن في أمّتي أحد منهم فعمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه».
و احتجت المعتزلة بأن الخوارق لو ظهرت على يد غير الأنبياء لالتبس النبيّ بالمتنبّئ، لأن تمييز الأنبياء عن غيرهم إنما هو بسبب ظهور خوارق العادات منهم، إذ الأمّة تشاركهم في الإنسانية و لوازمها، و لو لا ظهور المعجزة منهم لما تميّزوا عن غيرهم فلو جاز أن يظهر الخارق للعادة على غيرهم لالتبس النبيّ بالمتنبّئ، و الجواب: لا نسلّم حصول اللبس، بل يتميز النبي بالتّحدّي، و دعوى النبوة هنا هو الفرق بين المعجزة و الكرامة، و اختلف في تجويز الكرامات على حكم الاختيار، شرط الكرامة صدورها بلا اختيار من الوليّ، و أن الكرامة تفارق المعجزة من هذا الوجه، قال إمام الحرمين في الإرشاد: و هذا غير صحيح قال: و صار صائرون إلى جواز وقوعها اختيارا، و منع وقوعها على قضية الدعوى، و رأوا أن الدعوى هي الفرق بينها و بين المعجزة، و هذه الطريقة غير مرضيّة أيضا، و صار بعض أصحابنا إلى أن ما وقع معجزة لنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامة لولي فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر، و قلب العصا ثعبانا، و إحياء الموتى و إلى غير ذلك، و هذه الطريقة غير سديدة أيضا، و المرضيّ عندنا تجويز جملة خوارق العوائد في معارض الكرامات، و في «رسالة القشيريّ» اعلم أن كثيرا من المقدورات يعلم اليوم قطعا أنه لا يجوز أن يظهر كرامة للأولياء بضرورة أو شبه ضرورة فمنها حصول إنسان من غير أبوين، و قلب جماد بهيمة أو حيوانا، و أمثال هذا كثير و شرط الكرامة أن يصحب صاحبها (السر) من اللّه تعالى و إلا فهو ناقص مغرور و هالك مقبور.
و ظهور الكرامة لا تدلّ على أفضليّة صاحبها، و إنما تدل على صدقه و فضله، و قد تكون لقوّة يقين صاحبها، و إنّما الأفضليّة بقوّة اليقين، و كمال المعرفة، و لهذا قال أستاذ هذه الطريقة