تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٨٢
سلمان الفارسي على الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يحفر الخندق، حتى لا يستطيعوا اقتحام المدينة عليه، وكأنه كان أعلم مَنْ حوله بأساليب الحرب١ وفي السيرة أيضًا أن النضر بن الحارث كان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رُسْتم وإسْفنْديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يزال في مكة- مجلسًا فذكر فيه الله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه؛ فهلم إليَّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه. ثم يحدثهم عن ملوك فارس وأبطالهم الأسطوريين٢.
فالعرب الشماليون لم يكونوا منقطعين عن التأثيرات الحضارية الأجنبية؛ غير أنه ينبغي أن لا نبالغ في تصور ما وصل إليهم من هذه التأثيرات؛ فقد كانوا لا يزالون في طور السذاجة البدوية، وكل ما يمكن أن يقال أنهم كانوا في نهاية هذا الطور. وقد وقف من قديم قوم يقارنون بينهم وبين الشعوب المتحضرة من حولهم كالفرس والروم، وكان على رأسهم الشعوبية، وهي مقارنات تقوم على التحكم؛ لأنها تقارن بين بدو ومتحضرين، وقد مر الفرس والروم بطور بداوة كما مر العرب. ولم يكن لهم فيه حضارة ولا نظر علمي دقيق. ومثل هذه المقارنات ما بعثه الغربيون منذ القرن الماضي من الموازنة بين الساميين جميعًا عربًا وغير عرب وبين الآريين، على نحو ما هو معروف عن رينان٣؛ فقد ذهبوا يزعمون أن الآريين هم الجنس المفضل الذي أحدث الحضارة، وكأنهم يريدون أن يبرروا صنيع ساستهم واستعمارهم للشعوب السامية. وهي نظرية لا تؤيدها الحقائق العلمية الخالصة؛ إذ لا يستطيع أحد أن يثبت نقاء سلالة جنسية بعينها، لها نسب صريح، وأيضًا فإن هذه النظرية تتناسى أثر البيئة والظروف التي تلم بالشعوب، ومن المحقق أن الحضارة الإنسانية ليس من عمل جنس واحد؛ فقد تعاونت على تكوينها أجناس متباينة، ولكل جنس فيها نسبه المتعادلة. ويدخل في هذه المقارنات المضللة ما نجده عند ابن خلدون من حكمه على العرب بأنهم ليسوا أصحاب صناعات ولا علوم٤ لأن ذلك
١ السيرة النبوية "طبعة الحلبي" ٣/ ٢٣٥.
٢ السيرة النبوية ١/ ٣٢١.
٣ انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ١/ ١٦٨.
٤ المقدمة "طبع المطبعة البهية" ص ٢٥٢ وفي مواضع متفرقة.