تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٤٧
وابنا أبي سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقول١
والجعفري وكان بشر قبله ... لي من قصائده الكتاب المجمل٢
ولقد ورثت لآل أوس منطقًا ... كالسم خالط جانبيه الحنظل٣
والحارثي أخو الحماس ورثته ... صدعًا كما صدع الصفاة المعول٤
ويخيل إلى الإنسان أنه لم يبق عربي في العصر الإسلامي وما وليه من أوائل العصر السياسي إلا وهو يروي الشعر الجاهلي، إن هو تحدث أو وقف خطيبًا، وتمثل الحجاج بالشعر في خطابته ذائع مشهور. وإذا كنا لاحظنا في الجاهلية أن الرواة الموصوفين بهذا الاسم كانوا عادة من الشعراء؛ فإننا نلاحظ في العصر الإسلامي نشوء طائفة من الرواة، لم يكونوا ممن يحسنون نظم الشعر، فهم لا يروونه لغرض تعلمه؛ وإنما يروونه لغرض نشره في الناس وإذاعته، وإليهم يشير جرير بقوله في وصف بعض قصائده٥:
خروج بأفواه الرواة كأنها ... قرا هندواني إذا هز صمما٦
وفي أخباره أنه كان له رواة يلزمونه ويأخذون عنه شعره، وكذلك كان الفرزدق. ولم يكونوا يروون شعرهما فحسب؛ بل كانوا ينقحونه ويهذبونه، فعن شيخ من هذيل قال: "جئت الفرزدق، ودخلت على رواته فوجدتهم يعدلون ما انحرف من شعره، ثم أتيت جريرًا، وجئت رواته وهم يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد"٧. وفي رأينا أن ظهور هذه الطبقة من الرواة إنما نشأ من العناية الشديدة برواية الشعر القديم والحديث، وكأنما لم يعد للناس من شغل وراء هذه العناية؛ فمنهم من يتخصص برواية شعر المعاصرين ومنهم من يتخصص برواية الشعر الجاهلي كيونس بن متى راوية الأعشى٨.
١ ابن الفريعة: حسان بن ثابت.
٢ الجعفري: لبيد، وبشر هو بشر بن أبي خازم.
٣ أوس: أوس بن حجر.
٤ الحارثي: النجاشي
٥ النقائض: ص ٤٣٠.
٦ قرا: متن، والهندواني: السيف.
٧ أغاني "طبعة دار الكتب" ٤/ ٢٥٦ وما بعدها.
٨ راجع في تحقيق اسم هذا الراوي مصادر الشعر الجاهلي ص ٢٣٨ وما بعدها.