تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٤١
فسأله سائل: من أين أخذ الأعشى قوله ومذهبه فأجاب: "من قِبَل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر، فلقنوه ذلك١".
ويبعد أن يكون الأعشى حقًّا قد تغلغل نظره كل هذا التغلغل؛ فإذا هو يقول بالقدر وأن الإنسان حر في تصرفاته، ولا يكتفي بذلك؛ بل يقول بالعدل على الله كما تقول المعتزلة، والمعقول أن يكون يحيى هو الذي وضع البيت؛ بل لقد شك ابن قتيبة في القصيدة جميعها، وقال بعد أن روى طائفة من أبياتها هذا شعر منحول٢، وينبغي أن نشك كما شك ابن قتيبة في قصائد الأعشى الأخرى التي تصور أفكارًا مسيحية أو أفكارًا إسلامية؛ أما الأفكار المسيحية فلأن راويه الذي نشره نصراني، وأما الثانية فلأنها معان جديدة لم تعرفها الجاهلية لا هي ولا كل ما يتصل بها من ألفاظ القرآن وأساليبه. ويصور ذلك تصويرًا واضحًا قصيدته رقم١٧ التي قالوا إنه مدح بها الرسول صلوات الله عليه؛ مع أنه -كما قدمنا- لم يلقه وصدَّته قريش عن لقائه، وبمجرد أن نقرأ القصيدة وقوله فيها:
إِذا أَنتَ لَم تَرحَل بِزادٍ مِنَ التُقى ... وَلاقَيتَ بَعدَ المَوتِ مَن قَد تَزَوَّدا
نَدِمتَ عَلى أَن لا تَكونَ كَمِثلِهِ ... وَأَنَّكَ لَم تُرصِد لِما كانَ أَرصَدا٣
فَإِيّاكَ وَالمَيتاتِ لا تَأكُلَنَّها ... وَلا تَأخُذَن سَهمًا حَديدًا لِتَفصِدا٤
وَذا النُصُبِ المَنصوبَ لا تَنسُكَنَّهُ ... وَلا تَعبُدِ الأَوثانَ وَاللَهَ فَاِعبُدا٥
وَصَلّ عَلى حينِ العَشِيّاتِ وَالضُحى ... وَلا تَحمَدِ الشَيطانَ وَاللَهَ فَاِحمَدا
وَلا السائِلَ المَحرومَ لا تَترُكَنَّهُ ... لِعاقِبَةٍ وَلا الأَسيرَ المُقَيَّدا
وَلا تَسخَرَن مِن بائِسٍ ذي ضَرارَةٍ ... وَلا تَحسَبَنَّ المَرءَ يَومًا مُخَلَّدا٦
وَلا تَقرَبَنَّ جارَةً إِنَّ سِرِّها ... عَلَيكَ حَرامٌ فَاِنكِحَن أَو تَأَبَّدا٧
١ الأغاني ٩/ ١١٣ وما بعدها.
٢ الشعر والشعراء "طبعة دار المعارف": ص١٤
٣ أرصد: أعد وهيأ.
٤ يشير إلى أنه لا بد من الذبح كما تقضى تعاليم الإسلام.
٥ النصب: حجارة كانوا ينصبونها حول الكعبة ويقدسونها أو هي الأوثان.
٦ الضرارة: ذهاب البصر أو النقص في الأنفس والأموال.
٧ السر هنا: البضع. النكاح: الزواج. التأبد: البعد عن النساء والتعزب.