تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٤٠٨
ومنا حَكَمٌ يَقْضِي ... فلا يُنْقَضِي ما يَقْضِي
وتنسب إليه حكم ووصايا كثيرة لقومه١.
على أن أكثر حكمهم وأمثالهم لا يعيِّنون قائلها، وهذا طبيعي لأنها تنبعث غالبًا من أناس مجهولين من عامة القبائل، ممن لا يمجدون ولا يحفل بهم الناس، وهم أيضًا لا يحفلون بأنفسهم لأنهم من العامة، والعامة عادة لا يهتمون بنسبة فضل إليهم. ولا بد أن نلاحظ أن بعض أمثالهم يخفي المعنى المراد منه، ومن أجل ذلك كان لا يفهم إلا بالرجوع إلى كتب الأمثال، كقولهم: "بعَيْنٍ ما أرينّك" فإن معناه: أسرع، وهو معنى لا يتبادر إلى السامع من ظاهر اللفظ، ومن ثم علق عليه أبو هلال العسكري بقوله: "هو من الكلام الذي قد عرف معناه سماعًا من غير أن يدل عليه لفظه٢" ولا بد أن نلاحظ أيضًا أن الأمثال لا تتغير، فتقول: " الصيف ضيَّعتِ اللبن٣" بكسر التاء إذا خاطبت الواحد والواحدة والاثنين والاثنتين والجماعة. ومن ثم كانوا يستجيزون في المثل مخالفة النحو وقواعد التصريف والجمع، ففي أمثالهم: "أعط القوسَ باريها٤" بتسكين الياء في باريها والقياس فتحها، وفيها أيضًا: "أجناؤها أبناؤها" جمع جان وبان، والقياس. "جُناتها بُناتها" لأن فاعلًا لا يجمع على أفعال.
وإذا كانت بعض الأمثال تخالف نظام التصريف والنحو فإن الكثرة الكثيرة لا تشذ على هذا النظام؛ بل إن طائفة تدخل في الصياغة الجاهلية البليغة إذ نطق بها بعض بلغائهم وفصحائهم من أمثال أكثم بن صيفي، وعامر بن الظرب، وكان خطباؤهم المفوهون كثيرًا ما يعمدون إلى حشدها في خطابتهم، يقول الجاحظ: "كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعًا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع٥" وتبع شعراؤهم خطباءهم يودعونها أشعارهم. ومن ثم كنا نجد كثيرًا منها يتم له لحنه الموسيقي؛ فإذا هو شطر
١ البيان والتبيين: ١/ ٤٠١، ٢/ ١٩٩.
٢ جمهرة الأمثال للعسكري على هامش مجمع الأمثال للميداني: ١/ ١٦٨.
٣ يضرب هذا المثل لمن يطلب حاجة بعد فوت أوانها.
٤ أي استعن على ما تعمل بأهل الحذق والمهارة.
٥ البيان والتبيين: ١/ ٢٧١.