تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢١٤
أَرَيْنَ محاسنًا وكَنَنَّ أُخرى ... من الأَجْياد والبشَرِ المصونِ
ويقول: إنهن كن يمددن أعناقهن مستشرفات للنظر وصاحبته بينهن تفوقهن حسنًا وجمالًا. وكن كطبيعة النساء في كل عصر ينصرفن عن الشيب ومن قل ماله١؛ ولذلك كثر عتابهم معهن، وخاصة من حيث ما يأخذنه عليهم من البذل الذي يذهب بأموالهم، ودائمًا نراهم يحتجون عليهن بأن خلود المرء في بذله لا في ثرائه٢. وقد يصورون في تعلقهم بالمرأة ضربًا من المتاع الحسي، على نحو ما يصور ذلك طرفة في معلقته وكذلك امرؤ القيس، ومرد ذلك إلى ضرب شاع عندهم من الفتوة؛ فهم يتمدحون بأنهم ينالون من المرأة ما يريدون، وكانوا وثنيين ولم يكن هناك دين يردعهم. على أن منهم من كان يتسامى في غزله حتى ليمكن القول بأن الغزل العذري له أصول في الجاهلية عند عنترة وأضرابه.
ومن المؤكد أن المرأة الحرة لم تكن ممتهنة عندهم؛ بل كانت في المكان المصون، وكان الشاعر يستلهمها شعره؛ ولذلك كان يضعها في صدر قصيده، ونحس عند كثيرين منهم -وخاصة فرسانهم من مثل عنترة- أنهم يقدمون مغامراتهم في الكرم وفي الحرب لها لينالوا حبها، وكان أكثر ما يشجيهم ويبعث الموجدة في قلوبهم أن تؤسر وتسبى؛ فكان لا يقر لهم قرار إلا أن يعودوا بها مكرمة إلى ديارهم.
ومن موضوعات شعرهم المهمة الوصف، وقد وصفوا كل شيء وقعت عليه أعينهم في صحرائهم، وفي العادة يذكرون ذلك بعد غزلهم وتشبيبهم؛ إذ يخرج الشعراء إلى وصف رحلاتهم في الصحراء، فيتحدثون عن قطَعهم للمفاوز البعيدة، فوق إبلهم، ويأخذون في وصفها وصفًا مسهبًا على نحو ما هو معروف عن طرفة في وصفه لناقته بمعلقته وقد كاد أن لا يترك فيها عضوًا ولا جزءًا دون وصف وتصوير، والمفضليات والأصمعيات تزخر بأحاديثهم عنها ومقدار ما كانوا يرون فيها من جمال وكانوا يشبهونها بالقصور ويشبهون قوائمها بالأعمدة وقد يشبهونها بالسفن والقناطر ويشبهون قوائمها بجذوع الطلح ويديها بالصخر الغليظ أو بيدي السابح، وصوتها
١ المفضليات: ص٣٥، ١٨٦، ٤١٨.
٢ المفضليات: ص١١٨، ص١٢٥. بيت ٤ وما بعده رقم ٥٩ ورقم ١٠٤ بيت ١١، ١٢.