تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٥٧
وَلَهَا به، وجربه مرارًا وتكرارًا.
والأعشى لا يصف مجالس الخمر فحسب؛ بل يصف وصفًا دقيقًا أوانيها وألوانها وما تفعله بعقول شاربيها وما تحدث في قلوبهم من نشوة، مما يدل على أنه كان مشغوفًا بها مفتونًا، بل سكيرًا مغرقًا في السكر. وهو في ذلك يقترب من ذوق جماعة المجان في العصر العباسي أمثال أبي نواس، وفي الوقت نفسه يفترق من ذوق معاصريه الذين لم يكونوا يسرفون على أنفسهم إسرافه في اللهو والمجون. ولا نشك في أن هذا جاءه من أثر الحضارات التي ألمَّ بها في الحيرة وغير الحيرة؛ بحيث تحول مدمنًا لها، يلزم حوانيتها، فإن ولى وجهه نحو منازل قومه حمل منها ما يكفيه هو ورفاقه هناك، فينهلون ويعلون ولا يفيقون، وهو في أثناء ذلك ينشدهم ما ينظمه فيها، وهم يصفقون استحسانًا. ولم يكن يحسن وصفها فحسب؛ بل كان يُضفي عليه حيوية بما يمزجه به من قصص على شاكلة قوله:
أَتاني يُؤامِرُني في الشَمو ... لِ لَيلًا فَقُلتُ لَهُ غادِها١
أَرَحنا نُباكِرُ جِدَّ الصَبو ... حِ قَبلَ النُفوسِ وَحَسّادِها٢
فَقُمنا وَلَمّا يَصِح ديكُنا ... إِلى جَونَةٍ عِندَ حَدّادِها٣
تَنَخَّلَها مِن بِكارِ القِطافِ ... أُزَيرِقُ آمِنُ إِكسادِها٤
فَقُلت لَهُ هَذِهِ هاتِها ... بِأَدماءَ في حَبلِ مُقتادِها٥
فَقالَ تَزيدونَني تِسعَةً ... وما ذاك عدلًا لِأَندادِها٦
فَقُلتُ لِمِنصَفِنا أَعطِهِ ... فَلَمّا رَأى حَضرَ شُهّادِها٧
أَضاءَ مِظَلَّتَهُ بِالسِرا ... جِ وَاللَيلُ غامِرُ جُدّادِها٨
١ يؤامرني: يشاورني. الشمول: الخمر. غادها: انطلق بنا إليها.
٢ جد: نشاط. الصبوح: خمرة الصباح.
٣ جونة: جرة وخابية. حدادها: خمارها.
٤ تنخلها: تخيرها. بكار القطاف: أول ما يقطف. أزيرق: أزرق العينين. آمن إكسادها: آمن كسادها لا يخاف.
٥ أدماء: ناقة بيضاء. مقتادها: غلامها الذي يرعاها
٦ أندادها: أمثالها.
٧ منصف: خادم. حضر: حضور شهادها هنا: الدراهم.
٨ مظلته: حانوته أو خباؤه. الجداد: الأهداب والأستار.