تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢١٨
فقَصَرْتُ يومهمُ برنَّة شارِفٍ ... وسماع مُدْجِنَةٍ وجَدْوى جازر١
وهذه الموضوعات التي قدمناها جميعًا كانت تتداخل في القصيدة الطويلة وكان يتداخل معها ضرب من الحكم والمعاني التهذيبية؛ فالشاعر ما يزال يدلي في تضاعيف قصيدته بتجاربه، وقد يفرد لها مقطوعات، إذا اتجه بها إلى تقديم وصية لبنيه، على نحو ما صنع عمرو بن الأهتم في وصيته لابنه التي يستهلها بقوله٢:
وإن المجد أوله وعور ... ومصدر غبه كرم وخِيرُ٣
وممن كثرت الحكمة في شعرهم زهير والأفوه الأودي وعلقمة بن عبدة، وهي تكثر في ميمية الأخير وتتوالى في أبيات متعاقبة من مثل قوله٤:
الحمدُ لا يُشتَرى إلا له ثَمَنٌ ... مما يَضِنُّ به الأَقوامُ معلومُ
والجود نافيةٌ للمال مَهْلَكَةٌ ... والبخلُ باقٍ لأَهليه ومذموم
وكل حِصْن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بُدّ مهدوم
ويلخص لنا رأي الجاهلين في المرأة وما تطلبه من الرجل؛ فيقول في بائيته٥:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
فإن شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب
ويظهر أن الحكمة قديمة عندهم، فنحن نجدها في معلقة عبيد بن الأبرص، وفيها يقول:
وكل ذي غيبة يثوب ... وغائب الموت لا يئوب
ويقول عبدة بن الطبيب٦:
والمرءُ ساعٍ لأمر ليس يدركه ... والعيشُ شح وإشفاقٌ وتأميل
١ الشارف: الناقة، ورنتها: صوتها عند النحر. المدجنة: القينة تغني يوم الدجن والغيم. وجدوى الجازر: عطاياه من أطايب اللحم.
٢ المفضليات: ص٤١٠ وانظر القصيدة رقم١١٦.
٣ غبه: عاقبته، الخير: الكرم
٤ المفضليات: ص٤٠١.
٥ المفضليات: ص٣٩٢.
٦ المفضليات: ص١٤٢.