تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٨٠
إن الذي روضه على الصعلكة وقطع الطرق تأبط شرًّا؛ فكان يغير معه، حتى صار لا يُقام لسبيله١. وما زال يغير على الأزد، وينكل بها، حتى قتل، فيما يقص الرواة، تسعة وتسعين، انتقامًا لأبيه، وأخيرًا يرصدون له كمينًا؛ فيقع فيه، ويمثلون به تمثيلًا فظيعًا، يقطعون فيه جسده تقطيعًا، ويرمون به للسباع، ويقال: إن رجلًا عثر بجمجمته، فعقرته، فمات. وبذلك يبلغ قتلاه من الأزد مائة. وخيوط الأسطورة واضحة في مقتل الرجل المكمل للمائة، وتلعب هذه الخيوط في أخباره جميعًا كما تلعب في أخبار تأبط شرًّا رفيقه.
وللشنفرى ديوان شعر صغير طبع في لجنة التأليف والترجمة والنشر بمجموعة الطرائف الأدبية، ومما اشتهر له لامية العرب، وهي مما نُحل عليه؛ فقد نص الرواة على أنها من صنع خلف الأحمر٢، وقد أحكم صناعتها وساق فيها اسم موضع في جنوبي اليمن هو إحاظة ليدل على أن قائلها كان يتجول في هذه الأنحاء، وحتى يكون ذلك أدعى إلى تصديقها والثقة بها. وهي تصور تصويرًا حيًّا حياة الصعلوك الجاهلي وروحه البدوية الوحشية. وبجانب هذه القصيدة المنتحلة نجد له قصيدته التائية الطويلة التي رواها المفضل في مفضلياته، ثم مجموعة من المقطوعات. ويبدو في أشعاره على شاكلة تأبط شرًّا هزيلًا نحيلًا يلبس ثيابًا بالية ونعالًا ممزقة. ولو لم يصلنا إلا تائيته لكان ذلك كافيًا في تصور حياته ومغامراته، وقد سبق أن تمثلنا بأبيات منها في وصف زوجته أميمة نعتها فيها بأخلاقية مثالية ممتازة، ثم مضى يصف غارة أغارها على بني سلامان في جمع من رفاقه الصعاليك وعلى رأسهم تأبط شرًّا، ونراه في مستهل وصفه يحدثنا أنه كان يقودهم ويعرفنا بالطريق الذي سلكوه، وأنهم كانوا راجلين، يقتحمون الصعاب؛ غير هيابين ولا وجلين، يقول:
وَباضِعَةٍ حُمرِ القِسِيَّ بَعَثتُها ... وَمَن يَغزُ يَغنَم مَرَّةً وَيُشَمَّتِ٣
خَرَجنا مِنَ الوادي الَّذي بَينَ مِشعَلٍ ... وَبَينَ الجَبا هَيهاتَ أَنشَأتُ سُرَبتي٤
١ شرح المفضليات: ص١٩٦ وما بعدها.
٢ الأمالي للقالي: "الطبعة الأولى" ١/ ١٥٧.
٣ باضعة: قاطعة. ويريد بها رفاقه الصعاليك بعثتها: غزوت بها. حمر القسي، يقال: إنها تحمر لقدمها وطول تعرضها للشمس. يشمت: يخيب ويفشل.
٤ مشعل والجبا: موضعان. السرية: الجماعة. أنشأت: أظهرت من مكان بعيد.