تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٤٢١
ومن ثم كان العرب يقصدون كثيرين منهم من مناطق بعيدة. ومما يلاحظ أنهم كانوا يتكثرون في اليمن وفي بيوت عبادتها الوثنية، وخاصة من يتعمقون في القدم، ولعل في ذلك ما يدل على الصلة القديمة بين وثنية عرب الجنوب، وعرب الشمال. وتلقانا في كتب التاريخ والأدب أسماء كثيرين منهم، وقد يبالغ القُصَّاص، فيرسمون لبعضهم صورًا خيالية؛ فمن ذلك أن شق بن الصعب كان شق إنسان أو شطره فله عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، وأن سطيح بن ربيعة الذئبي لم يكن فيه عظم سوى جمجمته وأن وجهه كان في صدره ولم يكن له عنق١، وربما كان أحدب. ومن كهانهم في أواخر العصر الجاهلي سواد بن قارب الدَّوْسيِّ وقد أدرك الإسلام ودخل فيه٢، ومنهم المأمور الحارثي، كاهن بني الحارث بن كعب٣، وخُنافر الحميري، وكان يقول: إنه أسلم بمشورة تابعه "شصار". وأكهنهم عُزّى سَلِمة، يقول الجاحظ: "أكهن العرب وأسجعهم سلمة بن أبي حية وهو الذي يقال له عزى سلمة"٥. ومن قوله٦: "والأرض والسماء، والعقاب والصقعاء، واقعة ببقعاء، لقد نفر المجد بني العشراء للمجد والسناء٧" ونجد بجانب هؤلاء الكهان جماعة من الكاهنات، وربما كن في الأصل من النساء اللائي يهبن أنفسهن للآلهة ومعابدها. ومن أشهرها الشعثاء٨ وكاهنة ذي الخلصة٩ والكاهنة السعدية١٠ والزرقاء١١ بنت زهير والغيطلة القرشية١٢ وزبراء كاهنة بني رئام، ويروى أنها أنذرتهم غارة عليهم فقالت: "واللوح الخافق والليل الغاسق والصباح الشارق والنجم الطارق والمزن الوادق، إن شجر الوادي ليأدو خَتْلًا، ويحرق أنيابًا عصلًا، وإن صخر الطود لينذر ثكلًا، لا تجدون عنه مَعْلًا"١٣.
١ عجائب المخلقوات للقزويني: ١/ ١٧١.
٢ السيرة النبوية: ١/ ٢٣٣.
٣ الأمالي: ١/ ٢٧٦، واسمه فيه المأمون، وانظر ٣/ ١٥١ والأغاني: ١٥/ ٧٠.
٤ الأمالي: ١/ ١٣٣.
٥ البيان والتبيين: ١/ ٣٥٨.
٦ نفس المصدر: ١/ ٢٩٠.
٧ الصقعاء: الشمس، بقعاء: ماء أو موضع. نفر: حكم بالغلبة. بنو العشراء: عشيرة من فزارة. السناء: الرفعة.
٨ مجمع الأمثال للميداني: ١/ ٩١.
٩ نفس المصدر: ١/ ٢٢٣.
١٠ نفس المصدر: ٢/ ٥٤.
١١ أغاني "دار الكتب": ١٣/ ٨١.
١٢ سيرة ابن هشام: ١/ ٢٢١.
١٣ اللوح هنا: الريح. الوادق: الممطر. يأدو: يختل. يحرق أنيابًا عصلًا: كناية عن الغضب والشر. عصلًا: معوجة. الطود: الجبل. المعل: الملجأ. انظر الأمالي: ١/ ١٢٦.