تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٠٣
الملمَّات وكرمها في الجدب وحمايتها للجار وإغاثتها للملهوف. وفي أثناء ذلك يصوِّب سهام الهجاء إلى نحور أعدائهم، وكأنه يريد أن يقضي عليهم قضاء مبرمًا.
ونحس في هذه الحماسة أثر الموجدة الشديدة والحقد البالغ على خصومهم؛ فهم دائمًا يتعرضون لهم يهددونهم ويتوعدونهم انتقامًا مروعًا، وكان أشد ما يهيجهم أن يقتل منهم قتيل؛ فحينئذ تهيج القبيلة ويهيج شعراؤها هياجًا لا حد له، فإذا ثأرت لنفسها وشفت غلها وحقدها أخذ شعراؤها ينشدون أناشيد النصر من مثل قصيدة دريد بن الصمة التي يتغنى فيها بأنه ثأر من قتلة أخيه عبد الله، ومع ذلك لا يزال يتوعدهم، يقول١:
ويا راكبًا إما عرضت فبلغن ... أبا غالب أن قد ثأرنا بغالبِ٢
قتلتُ بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب٣
فلليوم سميتم فزارة فاصبروا ... لوقع القنا تنزون نزو الجنادب٤
تكر عليهم رَجْلَتِي وفوارسي ... وأُكرِه فيهم صَعْدَتي غير ناكب٥
فإن تدبروا يأخذنكم في ظهوركم ... وإن تقبلوا يأخذنكم في الترائب٦
وإن تُسهلوا للخيل تسهل عليكم ... بطعن كإبزاغ المخاض الضوارب٧
ومرة قد أخرجنهم فتركنهم ... يروغون بالصلعاء روغ الثعالب٨
وأشجعَ قد أدركنهم فتركنهم ... يخافون خطف الطير من كل جانب
وثعلبة الخنثى تركنا شريدهم ... تَعِلَّة لاه في البلاد ولاعب
فليت قبورًا بالمخاضة أخبرت ... فتخبرَ عنا الخضر خضر محارب٩
١ الأصمعيات: ص ١١٧.
٢ عرضت: أتيت العروض، يريد مكة والمدينة وما حولهما.
٣ لدات: جمع لدة وهو الترب والكفء.
٤ النزو: الوثب، الجنادب: ضرب صغير من الجراد.
٥ رجلتي: جمع راجل ضد الفارس الراكب، وهم المشاة. والصعدة: القناة غير ناكب: غير عادل عنهم.
٦ الترائب: عظام الصدر.
٧ تسهلوا: تنزلوا السهل من الأرض. المخاض: الحوامل من النوق، الضوارب اللواقح، وإيزاغها أن ترمي ببولها شبه رشاش الطعنة من الدم ببولها ورشاشه.
٨ يروغون: يذهبون هنا وهناك. الصلعاء موضع هو مكان معركته مع مرة.
٩ المخاضة: موضع من ديار ذبيان، وخضر محارب: قبيلة.