تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٨٠
وفي معلقة لبيد وصف بارع لأتن وحمارها، ثم لبقرة وحشية تعقبها الرماة بنبلهم، ولما يئسوا أن يصيبوا منها مقتلًا أرسلوا في إثرها جوارح الكلاب فنشبت معركة حامية قتلت فيها البقرة كلبتين هما كساب وسخام، يقول:
حتي إذا يئس الرماة وأرسلوا ... غُضْفًا دواجنَ قافلًا أعصامها١
فلحقن واعتكرت لها مدرية ... كالسمهرية حدها وتمامها٢
لتذودهن وأيقنت إن لم تذد ... أن قد أحم مع الحتوف حمامها٣
فتقصدت منها كساب فضرجت ... بدم وغودر في المكر سخامها٤
ولأوس بن حجر قصيدة فائية٥ وصف فيها حمار الوحش وصفًا بديعًا، ثم وصف الصائد وصفًا مسهبًا، أرانا فيه ناموسه وكيف كان يختبئ للوحش على عين؛ حتى إذا ورد الحمار ختله بسهمه؛ غير أنه أخطأه.
ويظهر أن صيد الوحش لم يكن هم شجعانهم وفرسانهم؛ إنما كان هم فقرائهم ومعوزيهم، ولذلك كان يأتي في المرتبة الثانية من غزوهم ونهبهم اللذين يدلان على بطولتهم واستبسالهم، ولعل ذلك ما جعل عمرو بن معد يكرب يهجو قومًا بأنهم يعيشون على الصيد، إذ يقول٦:
أبني زياد أنتم في قومكم ... ذنب ونحن فروع أصل طيب
نَصِلُ الخميس إلى الخميس وأنتم ... بالقهر بين مربق ومكلب٧
حيد عن المعروف سعى أبيهم ... طلب الوعول بوفضة وبأكلب٨
وكما كانوا يصيدون الوعول أو الماعز الجبلي كانوا يصيدون الوحش، ويتردد وصفهم له في أشعارهم ترددًا واسعًا، وهو تردد أتاح للجاحظ في حيوانه سيولًا من هذه الأشعار.
١ الغضف: الكلاب المسترخية الآذان، الدواجن: الضاريات وقيل المعلمات وقافلًا: يابسًا، والأعصام: قلائد من أدم تجعل في أعناق الكلاب
٢ اعتكرت: رجعت وعطفت، والمدرية القرون الحادة، والسمهرية: الرماح.
٣ الحمام: الموت، وأحم: حان.
٤ تقصدت: قتلت من قولهم رماه فأقصده.
٥ انظر ديوانه بتحقيق محمد يوسف نجم "طبع دار صادر ببيروت" رقم ٣٠
٦ حيوان ٢/ ٣٠٩.
٧ الخميس: الجيش. المربق: الصائد بالربقة وهي العروة في الحبل، والمكلب: الصائد بالكلاب.
٨ الوفضة: جعبة للسهام من أدم.