تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢١٣
ولَثَمْتُها فتنفست ... كتنفس الظبي البهير١
فدنت وقالت يا مُنَـ ... ـخل ما بجسمك من حرور
ما شفَّ جسمي غير حُبِّـ ... ـك فاهدئي عني وسيري
ووقف الشعراء طويلًا يصورون حبهم للمرأة وما يذرفون من دموعهم على شاكلة قول بشر بن أبي خازم٢:
فظلت من فرط الصبابة والهوى ... طَرِفًا فؤادُك مثل فعل الأيهم ٣
وكانت ذكراها لا تزال تلم بهم، ومن ثم أكثروا الحديث عن طيفها وما يثيره في أنفسهم من تباريح الحب٤ ولهم في وصف هذه الذكرى وما تصنع بهم شعر كثير يصفون فيه صبابتهم على شاكلة قول المرقش الأصغر٥:
صحا قلبُه عنها، على أن ذِكْرَةً ... إذا خطرتْ دارتْ به الأرضُ قائما
وكانوا كثيرًا ما يصفون ظعنُها، وهي ترحل في الجزيرة من موضع إلى موضع، وكان الرحلة أساسًا في حياتهم؛ فهم يرحلون وراء منابت الغيث، وينتقلون معها حيث حلت، وفي معلقة زهير وصف طويل لهذه الظعن وربما فاقه في هذا الوصف المثقب العبدي في قصيدته٦:
أفاطمُ قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألتِ كأن تبيني
فإني لو تخالفني شِمالي ... خلاَفك ما وصلتُ بها يَميني
وقد مضى يصف ظعنها ويتتبع سيرها وما تصنع هي وصواحبها في قلوب الرجال وهن يظهرن بكلَّة ويسدلن أخرى ويرسلن براقعهن على وجوههن وذوائبهن على ظهورهن:
١ البهير: من البهر وهو ما يعتري الإنسان والحيوان عند السعي الشديد من النهج وتتابع الأنفاس.
٢ المفضليات: ص٣٤٦.
٣ طرفًا: يطرف هنا وهناك، الأيهم: المجنون.
٤ المفضليات: ص٣٩، ١١٣، والأصمعيات: ص٥٧، ٢٤٦.
٥ المفضليات: ص٢٤٥.
٦ المفضليات: ص ٢٨٨.