تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٩٣
رُبَّ رَكبٍ قَد أَناخوا حَولَنا ... يَشرَبونَ الخَمرَ بِالماءِ الزُلال١
عُمِّروا دَهرًا بِعَيشٍ حَسَنٍ ... آمني دَهرَهُمُ غَيرَ عِجال
ثم أضْحَوْا عَصَف الدهرُ بهم ... وَكَذاكَ الدَهرُ حالًا بَعدَ حالِ
وَكَذاكَ الدَهرُ يرمي بالفتى ... في طِلاب العيش حالًا بعد حالِ
فالدنيا إلى زوال وكلّ من عليها فان؛ حتى صم الجبال، ولا يغرنك ما يغرق فيه بعض الناس من ترف ونعيم، فعما قليل يعصف بهم الدهر كما عصف بمن قبلهم. ومن الأسلوب الثاني قوله٢:
أَيُّها الشامِتُ المُعَيِّرُ بِالدَهـ ... ـر أَأَنتَ المُبَرَّأُ المَوفورُ
أَم لَدَيكَ العَهدُ الوَثيقُ مِنَ الأيْـ ... ـيامِ بَل أَنتَ جاهِلٌ مَغرورُ
مَن رَأَيتَ المَنونَ خَلَّدنَ أَم مَن ... ذا عَلَيهِ مِن أَن يُضامَ خَفيرُ
أَينَ كِسرى كِسرى المُلوكِ أَنوشِر ... وانُ أَم قَبلَهُ سابورُ
وَبَنو الأَصفَرِ الكِرامُ مُلوكُ الـ ... روم لَم يَبقَ مِنهُمُ مَذكورُ
ويستمر في ذكر ملوك مختلفين شيدوا قصورًا شامخة، وانتهى أمرهم إلى الفناء، وطوتهم الحفر والقبور كأن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، إلى أن يقول:
ثم بعد الفلاح والملك والإمَّـ ... ـة وارتهمُ هناك القبورُ٤
ثم صاروا كأنهم وَرَقٌ جَـ ... ـفّ فأَلْوَتْ به الصَّبَا والدَّبورُ٥
ويكثر البحتري في حماسته من إنشاد مثل هذه الأبيات لعدي بن زيد التي يتحدث فيها عن الحياة والموت ومصير الملوك السابقين. ونحن لا نطمئن إلى كل هذه الأشعار؛ بل نقف منها موقفنا من نظيرها عند الأعشى، فإن القصاص والوعاظ على ما يظهر أضافوا إليه أشعارًا كثيرة. ولعل ذلك ما جعل اللغويين.
١ الزلال: الصافي العذب.
٢ الأغاني: ٢/ ١٣٨.
٣ المنون: الموت، وأعاد عليه الضمير مجموعًا.
٤ الإمة: النعمة.
٥ ألوت: ذهبت. الصبا والدبور: ريحان.