تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٤٩
٣- مكة وغيرها من مدن الحجاز ١
في منتصف الطريق المعبد للقوافل بين اليمن والشام تقوم مكة في واد من أودية جبال السراة، تحفه الجبال الجرداء من كل جانب، وقد وصفها القرآن الكريم بأنها {بِوَادٍ غَيْرِِ ذِي زَرْعٍ} . وهي تتراءى لنا في العصر الجاهلي؛ ممسكة بزمام القوافل التجارية، كما تتراءى لنا أكبر مركز ديني للوثنية الجاهلية. ويقال: إنه كان يسكنها في غابر الأزمنة قبائل من جرهم وبقايا من الأمم البائدة، ثم نزلتها قبيلة خزاعة اليمنية حين هاجر كثير من القبائل اليمنية إلى الشمال، ولعلها نزحت إليها لتسيطر على هذا المركز التجاري المهم، ولا نصل إلى منتصف القرن الخامس حتى يظهر بها قصيّ ومعه قبيلة قريش فيستولي عليها ويخرج منها خزاعة. ولا يعرف بالضبط أصل قريش، وهل هي من عرب نجد أو من العرب الأنباط الذين تراجعوا ناحية الجنوب أمام غزو الرومان لبلادهم. وقد دعم مكانتها غزو الأحباش المسيحيين لليمن؛ فتحولت أفئدة العرب الوثنيين إليها، وفزعت أرستقراطيتهم الشمالية والجنوبية إلى هذا المركز البعيد عن أعدائهم، وحاول أبرهة والي الحبشة على اليمن أن يستولي عليها سنة ٦٧٠ أو٦٧١ فباءت حملته بالفشل الذريع، فزاد ذلك في تقديس العرب لها وإعظامها وعَدّوها رمزًا لاستقلالهم وعزتهم وقوتهم؛ إذ لم تدِنْ لأي ملك أجنبي، وفي ذلك يقول حرب بن أمية٢:
أبا مَطَر هلمَّ إلى صلاحٍ ... فتكفيك النَّدامى من قريشٍ
١ انظر في هذه المدن تاريخ العرب قبل الإسلام ٤/ ١٨١ وما بعدها وصالح أحمد العلي ص ٧٧ وما بعدها وفيليب حتى ١/ ١٤٤ وما بعدها ودائرة المعارف الإسلامية وكتابي "مكة والطائف قبل الهجرة"، للامنس.
٢ الحيوان للجاحظ ٣/ ١٤١ وصلاح هنا: مكة.