تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٠٨
التي لا تنازَعُ هي الخنساء؛ فقد قُتل أخوها معاوية في بعض المعارك، فارتفع نشيجها وبكاؤها عليه، وقتل أيضًا أخوها صخر فاتسع الجرح والتاعت لوعة شديدة، ومن رائع ما ندبت به صخرًا:
قَذى بعينك أم بالعين عُوَّارُ ... أم ذرفت أن خلت من أهلها الدار١
كأن عيني لذكراهُ إذا خطرت ... فيضٌ يسيل على الخدين مدرار٢
فالعين تبكي على صخر وحق لها ... ودونه من جديد الأرض أستار٣
تبكي خناس وما تنفك ما عمرت ... لها عليه رنين وهي مقتار٤
بكاءَ والهةٍ ضلت أليفتَها ... لها حنينان: إصغار وإكبار٥
ترعَى إذا نسيت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار٦
ولعل من الطريف أن بعض شعرائهم كان إذا أحس داعي الموت ندب نفسه ووصف ما يصنعه به أهله بعد الموت من ترجيل شعره ووضعه في مدارج الكفن، ثم لحده ودفنه، وتنسَبُ للممزق العبدي أو ليزيد بن الخذاق قطعة يصور فيها هذا المصير الذي ينتظره، يقول فيها٧:
هل للفتى من بنات الدهر من واقِ ... أم هل له من حمام الموت من راقِ٨
قد رجَّلوني وما رجلت من شعث ... وألبسوني ثيابًا غير أخلاق٩
وأرسلوا فتية من خيرهم حسبًا ... ليسندوا في ضريح الترب أطباقي١٠
١ العوار: الرمد، ذرفت: قطرت قطرًا متتابعًا.
٢ مدرار: كثير.
٣ الأستار: الأحجار، وكنت بجديد الأرض عن أنه مات حديثًا.
٤ خناس: الخنساء، مقتار: ضعيفة.
٥ الإصغار: خفض الصوت بالحنين، والإكبار: رفعه.
٦ العلم: الجبل.
٧ المفضليات: ص ٣٠٠
٨ بنات الدهر: أحداثه، حمام الموت: دنوه.
٩ الترجيل: تسريح الشعر، الأخلاق: الممزقة.
١٠ الأطباق: المفاصل.