تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٤٢
نحو قرن على الهجرة الشريفة فأولى أن يكونوا قد اتبعوا ذلك في الشعر الجاهلي، ولم يكن ركنا في الشريعة الإسلامية ولا كانت تقوم عليه حاجاتهم الدينية الملحة، ومن يرجع إلى شعرهم يجد شعراؤهم يذكرون دائمًا الرواية وأنها وسيلة انتشاره في القبائل؛ فهي الوسيلة التي كانوا يعرفونها وقد نفذ شعرهم من خلالها إلى آفاق الجزيرة، يقول المسيب بن علس١:
فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع٢
ترد المياه فما تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع
فقصيدته تنتشر في القبائل، ويرددها الناس مستمعين إليها ومتمثلين بأبياتها، ويقول عميرة بن جعل نادمًا على هجائه لقومه وشيوعه في العرب وأنه لم تعد له حيلة في رده٣:
ندمت على شتم العشيرة بعد ما ... مضت واستتبت للرواة مذاهبه
فأصبحت لا أسطيع دفعًا لما مضى ... كما لا يرد الدر في الضرع حالبه
فرواية الشعر في العصر الجاهلي كانت هي الأداة الطيعة لنشره وذيوعه، وكانت هناك طبقة تحترفها احترافًا هي طبقة الشعراء أنفسهم؛ فقد كان من يريد نظم الشعر وصوغه يلزم شاعرًا يروي عنه شعره، وما يزال يروي له ولغيره حتى ينفتق لسانه ويسيل عليه ينبوع الشعر والفن. ونص صاحب الأغاني على سلسلة من هؤلاء الشعراء الرواة الذين يأخذ بعضهم عن بعض، وقد بدأها بأوس بن حجر التميمي؛ فعنه أخذ الشعر ورواه حتى أجاد نظمه زهير بن أبي سلمى المزني، وكان له روايتان كعب ابنه والحطيئة، وعن الحطيئة تلقن الشعر ورواه هدبة بن خشرم العذري، وعن هدبة أخذ جميل صاحب بثينة، وعن جميل أخذ كثير صاحب عزة٤.
١ المفضليات ص ٦٢.
٢ مع الرياح: يريد أنها تذهب كل مذهب، مغلغلة: نافذة تنفذ في الناس وتسلك إليهم السبل البعيدة.
٣ الشعر والشعراء ٢/ ٦٣٢ وقارن مع المفضليات ص ١٠٠.
٤ أغاني "طبعة دار الكتب" ٨/ ٩١.