تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ١٤٩
ألفاظ القرآن الكريم؛ فقد جرت عادة المفسرين منذ ابن عباس على الاستشهاد بالشعر الجاهلي في شرح ألفاظ الذكر الحكيم، وأيضًا فقد انبرت جماعات تحاول وضع قواعد العربية وجمع ألفاظها، واعتمدت في ذلك اعتمادًا شديدًا على الشعر الجاهلي فهو مادة اللغة ومادة قواعدها وقوانينها التي بنبغي أن تتبع. على أن هاتين الغايتين سرعان ما انفصلتا عن عمل الرواة، وأصبحوا يقصدون لجمع هذا الشعر في ذاته ومن أجل نفسه، وقد حملته إليه الموجة الحادة من روايته في أثناء العصر الإسلامي، ومن المهم أن نعرف أنهم قلما يذكرون من حملوا عنهم هذا الشعر؛ فهم يغفلون أسانيدهم إلا قليلًا١.
ولا نكاد نمضي في العصر العباسي حتى يكون هؤلاء الرواة مدرستين متقابلتين: مدرسة في الكوفة ومدرسة في البصرة، وعُرف الأولون بأنهم لا يتشددون في روايتهم تشدد الآخيرين، ومن ثم تضخمت رواياتهم ودخلها موضوع ومنتحل كثير، ولعل من الطريف أن نعرف أن الكوفة عُرفت في الحديث النبوي بالوضع والانتحال أيضًا حتى كان مالك بن أنس يسميها دار الضَّرْب يريد أبو الطيب اللغوي: "والشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة؛ ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله وذلك بين أكثر وأجمع منه بالبصرة؛ ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله وذلك بين في دواوينهم٢" وندد بهم البصريون كثيرًا، وبادلهم الكوفيون نفس التنديد؛ فكان كل منهما يشكك في الآخر٣ ولكن إذا صفينا هذه التشكيكات والتنديدات اتضح لنا أن رواية البصرة في جملتها أوثق من رواية الكوفة. وليس معنى ذلك أن رواة الكوفة في الجملة كانوا متهمين بخلاف رواة البصرة؛ فبين الطرفين جميعًا متهمون، وموثقون أحاطوا روايتهم بسياج من الأمانة والدقة والتحري.
وربما كان السبب الحقيقي في تقدم البصرة على الكوفة في الرواية أن رأس رواتها وهو أبو عمرو بن العلاء كان أمينًا، بينما كان رأس رواة الكوفة حمادًا، وكان منهما كثير الوضع، لا يوثق بما يرويه. وكان أبو عمرو من مؤسسي المدرسة النحوية في البصرة، وأحد القراء السبعة الذين أخذت عنهم تلاوة الذكر الحكيم، ولد سنة ٧٠ للهجرة، وتوفي سنة ١٥٤ وقيل سنة ١٥٩ "وكان أعلم الناس بالغريب
١ انظر مصادر الشعر الجاهلي: ص ٢٥٥ وما بعدها.
٢ مراتب النحويين: ص ٧٤.
٣ مصادر الشعر الجاهلي: ص ٤٣٤ وما بعدها.