تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٨٨
أيقنتُ أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
وكثيرًا ما يتسعون بهذه النظرة، فيخرجون عن إفناء الزمان لعشائرهم وقبائلهم إلى إفنائه للدول والملوك من حولهم؛ فالليالي والدهر والأزمان في كل وقت تهدم جدارًا كبيرًا إما من ملك أو دولة، وحتى الأنبياء وسليمان الذي سُخِّرت له الجن تلفت نفوسهم جميعًا وهلكوا كما هلك من قبلهم، ويهلك من بعدهم١.
ودائمًا يكررون أن الدهر بالمرصاد وأنه لا يؤمن في صباحه ومسائه. ولهم في عتابه على فجيعته لهم بالأهل محاورات طريفة، كقول زهير إن صح أنه له٢:
يا من لأقوام فجعت بهم ... كانوا ملوك العرب والعجم
استاثر الدهر الغداةَ بهم ... والدهرُ يرميني ولا أرمي
لو كان لي قِرنًا أناضلُهُ ... ما طاش عند حفيظة سهمي٣
أو كان يعطي النصف قلت له ... أحرزت قسمك فاله عن قسمي٤
يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم.
وسلبتنا ما لستَ معقبنا ... يا دهر ما أنصفت في الحكم.
وعلى هذه الشاكلة كان لهم ضرب من التفكير في حقائق الحياة والموت. كما كان لهم حكم كثيرة مقتبسة من حقائق مجتمعهم ومعاشهم. وليس في ذلك كل فلسفة؛ ولكن فيه البساطة والفطرة وما يدل على حنكتهم وتجربتهم الحسية الواقعية.
١ حماسة البحتري ص٨٣ وانظر المفضليات ص٢١٧.
٢ حماسة البحتري ص ١٠٥ وانظر الديوان "طبعة دار الكتب" ص ٣٨٥.
٣ الحفيظة: الغضب.
٤ النصف: العدل.
٥ السراة: السادة، وقرت: صدعت.