تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٤١٧
ضربًا من الخرق في استخدام الجوارح، يقول معن بن أوس المزني في بعض هجائه١:
إِذا اجتَمَع القبائل جِئتَ رِدفًا ... وَراءَ الماسِحينَ لَكَ السِبالا٢
فَلا تُعطى عَصا الخَطباءِ فيهِم ... وَقَد تُكفى المقادَةَ وَالمَقالا
وكثيرًا ما كانوا يتزيدون في جهارة الصوت وينتحلون سعة الأشداق وهدَل الشفاه، ومن أجل ذلك قال الرسول، صلوت الله عليه: "إياي والتشادق" وقال: "أبغضكم إليّ الثرثارون المُتَفَيْهِقُونَ" ٣.
وإذا ذهبنا نستنطق النصوص عن أساليب خطابتهم، وهل كانوا يعمدون فيها إلى الأسلوب المرسل أو إلى الأسلوب المسجَّع؛ وجدنا أنفسنا بإزاء تراث متهم لا يمكن الاعتماد عليه في الاستنتاج، لما قلنا مرارًا من أن حقبًا متطاولة تفصل بين العصر الذي دونت فيه تلك الخطب والآخر الذي قيلت فيه. ومع أن الكثرة الكثيرة من هذه الخطب منتحلة نلاحظ أن من نحلوها الجاهليين؛ إنما قاسوها على أمثلة رويت لهم؛ فإذا لاحظنا أن أكثر مفاخراتهم ومنافراتهم روي مسجوعًا، كان معنى ذلك أنه ثبت عند من نحلوا الجاهليين هذه المفاخرات والمنافرات أنهم كانوا يسجعون فيها. وتستطيع أن ترجع إلى منافرة عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية وتحكيمهما لنفيل بن عبد العزى في تاريخ الطبري٤ فستجدها مسجوعة، ومثلها منافرة جرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن أرطاة الكلبي إلى الأقرع بن حابس؛ فقد رويت في شرح نقائض جرير والفرزدق لأبي عبيدة، وهي مسجوعة٥، ومثلهما منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل المروية في كتاب الأغاني؛ فهي الأخرى مبنية على السجع٦. ويجعل الجاحظ ذلك قاعدة عامة أو كالقاعدة العامة؛ فيقول: "إن ضمرة بن ضمرة وهَرِم بن قطبة والأقرع بن حابس ونُفَيْل بن عبد العزى كانوا يحكمون وينفرون بالأسجاع، وكذلك ربيعة بن حذار"٧.
١ البيان والتبيين: ١/ ٣٧٢.
٢ السبال: مقدم اللحية. يهجوه بأنه ليس رئيسًا ولا خطيبًا.
٣ البيان والتبيين: ١/ ١٣. المتفيهق: الذي يفتح بالكلام جونب فمه ويملؤه به.
٤ الطبري: القسم الأول: ص١٠٩١.
٥ النقائض: ١/ ١١٤.
٦ أغاني "طبعة الساسي": ١٥/ ٥١.
٧ البيان والتبيين: ١/ ٢٩٠.