تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٩٦
فَلَيسوا مَيِّتينَ فَيستَريحوا ... وَكُلُّهُم بِحَرِّ النارِ صالِ
وَحَلَّ المُتَّقونَ بِدارِ صِدقٍ ... وَعَيشٍ ناعِمٍ تَحتَ الظِلالِ
وهذه المعاني تستمد من القرآن الكريم بصورة واضحة، وأسلوبها ضعيف واهن؛ ولذلك كنا ظنا أنها وما ويماثلها مما نحل على أمية. والموضوع الثاني الذي يدور فيه شعره ليس أقل من الموضوع الأول اتهامًا؛ بل لعل الاتهام فيه أوضح، إذ نراه يقص علينا سير الأنبياء قصصًا لا يكاد يفترق في شيء عما جاء في القرآن الكريم كقوله في رؤية إبراهيم أنه يذبح ابنه إسماعيل وما كان من افتدائه بذبح عظيم١:
وَلِإِبراهيمَ الموَّفي بِالنَذ ... ر اِحتِسابًا وَحامِلَ الأَجزالِ٢
بِكرَهُ لَم يَكُن ليَصبِرَ عَنهُ ... لَو رآهُ في مَعشَرٍ أقتالِ
أبني إنّي نَذَرتُكَ لِلَّهِ شَحيطًا ... فَاِصبِر فِدىً لَكَ حالي٣
فأَجابَ الغُلامُ أَن قالَ فوهُ ... كُلُّ شَيءٍ لِلَّهِ غَيرُ اِنتِحالِ
فَاِقضِ ما قَد نَذَرتَ لِلَّهِ وَاَكفُف ... عَن دَمي أَن يَمَسُّهُ سِربالي٤
بَينَما يَخلَعُ السَرابيلَ عَنهُ ... فَكَّهُ رَبُّهُ بِكَبشٍ جُلالِ٥
قالَ خُذهُ وَأَرسِل ابنَكَ إِنّي ... لِلَّذي قَد فَعَلتُما غَيرُ قالِ
وواضح أن هذا شعر ركيك ساقط الأسلوب نظمه بعض القصاص والوعاظ في عصور متأخرة عن الجاهلية. وقد ذهب هيار يزعم حين اطلع على هذا القسم من شعر أبيه أنه اكتشف فيه مصدرًا من مصادر القرآن الكريم٦، ولو كان له علم بالعربية وأساليب الجاهليين لعرف أنه وقع على أشعار منتحلة بين الانتحال، ولما تورط في هذا الخطأ البين، وقد ورد عليه غير واحد من المستشرقين٧. ويظهر
١ ديوان أمية ص٣٣.
٢ الأجزال: العظائم.
٣ شحيطًا: ذبيحًا.
٤ سربالي: ثوبي.
٥ جلال: عظيم.
٦ انظر الجزء العاشر من المجلة الآسيوية قسم٤ "١٩٠٤" ص١٢٥.
٧ انظر تاريخ الآداب العربية لبروكلمان: ١/ ١١٣، ودائرة المعارف الإسلامية في "أمية".