تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٩٤
يرفضون الاستشهاد بشعره، ولاحظ ابن سلام كثرة الوضع عليه فقال: "عدي بن زيد كان يسكن الحيرة ومراكز الريف فلان لسانه وسَهُل منطقه؛ فحمل عليه شيء كثير وتخليصه شديد١" وأكبر الظن أن هذا هو السبب في أن المفضل والأصمعي لم يثبتا له في مجموعتيهما شيئًا من شعره. وقد قلنا في غير هذا الموضع: إنه لا يفصح في شعره عن فكرة التثليث المسيحية، وينبغي أن لا تغلو في فهم مسيحية أمثال عدي في الجاهلية؛ فإنها لم تكن تتعمق نفوسهم، وإن كان من المؤكد أنها أثرت فيهم؛ بل لقد سقط منها تأثيرات إلى الشعراء الوثنيين فرأيناهم يذكرون أحيانًا الرهبان والنواقيس ومحاريب الكنائس أو قد يذكرون بعض الأنبياء مما جعل لويس شيخو يسلك أكثر شعراء الجاهلية في النصرانية، وهو مخطئ في ذلك خطأ بينًا.
وربما كان أهم شاعر جاهلي وثني ظهر عنده واضحًا التأثر بأهل الكتاب أمية٢ ابن أبي الصلت الثقفي، وهو من الطائف ويقال: إنه اتصل بالأحبار وتحنَّف ولبس المسوح وتنسك. وكان يزور مكة قبل البعثة، وله مدائح في سيد من سادتها المشهورين هو عبد الله بن جدعان، الذي يقول له في بعض مديحه٣:
أأذْكرُ حاجتي أم قد كفاني ... حَياؤك إن شيمتَك الحياءُ
كريمٌ لا يغيِّره صباحٌ ... عن الخُلقِ الكريمِ ولا مساءُ
وأرضُك كلُّ مكرمةٍ بَنَتْها ... بنو تَيْمٍ وأنتَ لهم سماءُ٤
ويقول أيضًا٥:
عَطاؤُكَ زَينٌ لاِمرِئٍ قد حَبَوتَهُ ... بِبَذلٍ وَما كُلُ العَطاءِ يُزينُ
وَلَيسَ بَشينٍ لاِمرِئٍ بَذَلَ وَجهَهُ ... إِليكَ كَما بَعضُ السُؤالِ يَشينُ
ولما بُعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم إلى قومه أضله الله فعاداه، وزين له الشيطان سوء عمله وأغواه، فلم يسلم؛ بل أخذ في معاندة الرسول ومحادَّته بلسانه،
١ ابن سلام: ص١١٧، وانظر الحيوان: ٧/ ١٤٩ والشعر والشعراء ١/ ١٧٦.
٢ انظر في أمية الأغاني "طبعة الساسي": ١٦/ ٦٩ وطبعة دار الكتب: ٨/ ٣٢٧، وما بعدها وابن سلام: ص٢٢٠ وما بعدها. وخزانة الأدب: ١/ ١٣٠ وحياة الحيوان للدميري: ٢/ ١٥٤ والشعر والشعراء لابن قتيبة: ١/ ٤٢٩.
٣ ابن سلام: ص٢٢٢ والأغاني: ٨/ ٣٢٨.
٤ بنو تيم: عشيرة عبد الله بن جدعان.
٥ ابن سلام: ص٢٢٢ والأغاني: ٨/ ٣٢٨.