تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٨٣
من شجعان قبيلته وأشرافهم، ومن ثم كان له دور بارز في حرب داحس والغبراء١ أما أمه فكانت من نهد من قضاعة، وهي عشيرة وضيعة لم تعرف بشرف ولا خطر، فآذى ذلك نفسه؛ إذ أحس في أعماقه من قبلها بعار لا يمحى، يقول٢:
وما بِيَ مِن عارٍ إِخالُ عَلِمتُهُ ... سِوى أَنَّ أَخوالي إِذا نُسِبوا نَهدُ
فهي عاره، الذي حلت البلية عليه منه، والذي دفعه دفعًا إلى الثورة على الأغنياء، وهي ثورة كانت مهذبة، إذا لم يتحول إلى سافك دماء ولا إلى متشرد يرود مجاهل الصحراء؛ فقبيلته لم تخلعه، بل ظل ينزل فيها مرموق الجانب لسيرة كانت تروع معاصريه ومن جاءوا بعدهم، إذ اتخذ من صعلتكه بابًا من أبواب المروءة والتعاون الاجتماعي بينه وبين فقراء قبيلته وضعفائها، ومن أجل ذلك لقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم وضاقت بهم الدنيا. وفي الأغاني "كان عروة بن الورد؛ إذا أصابت الناس سنة -أزمة جدب- شديدة وتركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف، يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة، ثم يحفر لهم الأسراب، ويكنف عليهم الكنف –الحظائر- ويكسبهم. ومن قوي منهم –إما مريض يبرأ من مرضه أو ضعيف تثوب قوته- خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبًا. حتى إذا أخصب الناس وألْبَنُوا وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله، وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها؛ فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى؛ فلذلك سمي عروة الصعاليك٣". وفي خبر آخر أن عبسًا كانت إذا أجدبت أتى ناس منها ممن أصابهم جوع شديد وبؤس فجلسوا أمام بيت عروة؛ حتى إذا أبصَروُا به صرخوا، وقالوا: أيا أبا الصعاليك أغثنا؛ فكان يرق لهم ويخرج بهم فيصيب معاشهم٤.
وعروة بذلك كله يعبر عن نفس كبيرة، فهو لا يغزو للغزو والنهب والسلب كالشنفرى وتأبط شرًّا، وإنما يغزو ليعين الهُلَّاك والفقراء والمرضى والمستضعفين من قبيلته، والطريف أنه لم يغير على كريم يبذل ماله للناس بل كان يتخير.
١ أغاني: ٣/ ٨٨.
٢ ديوانه: ص١٥٧.
٣ أغاني: ٣/ ٧٨ وما بعدها والشعر والشعراء ٢/ ٦٥٧.
٤ أغاني: ٣/ ٨١.