تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٥٨
دَراهِمُنا كُلَّها جَيِّدٌ ... فَلا تَحبِسَنّا بِتَنقادِها١
فَقامَ فَصَبَّ لَنا قَهوَةً ... تُسَكِّنُنا بَعدَ إِرعادِها٢
كُمَيتًا تَكَشَّفُ عَن حُمرَةٍ ... إِذا صَرَّحَت بَعدَ إِزبادِها٣
كَحَوصَلَةِ الرَألِ في جَرْيها ... إِذا صُوِّبَت بَعدَ إِقعادِها٤
فَجالَ عَلَينا بِإِبريقِهِ ... مُخَضَّبُ كَفٍّ بِفِرصادِها٥
فَباتَت رِكابٌ بِأَكوارِها ... لَدَينا وَخَيلٌ بِأَلبادِها٦
فَرُحنا تُنَعِّمُنا نَشوَةٌ ... تَجورُ بِنا بَعدَ إِقصادِها٧
ولا تختلف هذه الأبيات المنتزعة من القصيدة الثامنة في الديوان عن خمريات أبي نواس وأضرابه في شيء؛ لولا ذكره للأكوار والألباد في نهايتها، ولو حذفنا بيتهما لأصبحنا إزاء خمرية عباسية تعتمد على القصص والإطراف به. وهو في أولها يذكر أن فتى طرقه قبل أن يسفر الصباح يدعوه أن يذهبا معًا لتناول الخمر. وذهبا في هزيع الليل الأخير -قبل أن تصيح الديكة وقبل أن يسبقهما أي كاشح حسود- إلى حانوت خمار أعجمي، كنى عنه بزرقة العين، وهو خمار حاذق لصنعته، استخلص خمره من بكار القطاف؛ فهي خمر معتقة ومثلها لا يكسد ولا يبور. وطلبا إليه أن يسقيهما بناقة قاداها إليه، وهي واقفة ببابه مزمومة بحبل غلامها؛ فلم تكفه وطلب فوقها تسعة دراهم، مشيدًا بخمره وأن هذا الثمن ليس كفؤًا لها ويقول الأعشى: إنه قال لصاحبه: أعطه ما يريد، ويضيء الخمار خباءه أو حانوته، ويعد الدراهم ويتبينها خشية زيفها؛ حتى إذا اطمأن لها ولهم قام، فناولهم خمرًا تمشت في أجسادهم؛ فسكنوا إليها، وهي خمر حمراء فاقعة كأنها الفرصاد.
١ تنقادها: نقدها وعدها حتى يتبين زائفها من صحيحها.
٢ تسكننا: نسكن إليها.
٣ كميتًا: حمراء. صرحت ذهب زبدها.
٤ الرأل: فرخ النعام. شبه الخمر بحوصلته في الحمرة. جليت أخرجت، مأخوذ من جلوة العروس القاعدة، إذا قعدت عن الطلب. وانظر الحيوان: ٤/١٤.
٥ الفرصاد: التوت الأحمر.
٦ الأكوار: الرحال. الألباد جمع لبد وهو قطعة الصوف توضع تحت السرح.
٧ إقصاد: قصد واعتدال.