تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٤٩
وَأَهانَ صالِحَ مالِهِ لِفَقيرِها ... وَأَسى وَأَصلَحَ بَينَها وَسَعى لَها١
وَتَرى لَهُ ضُرًّا عَلى أَعدائِهِ ... وَتَرى لِنِعمَتِهِ عَلى مَن نالَها
أَثَرًا مِنَ الخَيرِ المُزَيِّنِ أَهلَهُ ... كَالغَيثِ صابَ بِبَلدَةٍ فَأَسالَها٢
وَإِذا تَجيءُ كَتيبَةٌ مَلمومَةٌ ... خَرساءُ يخشى الدارعون نزالها٣
كُنتَ المُقَدَّمَ غَيرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بِالسَيفِ تَضرِبُ مُعلِمًا أَبطالَها٤
وَعَلِمتَ أَنَّ النَفسَ تَلقى حَتفَها ... ما كانَ خالِقُها المَليكُ قَضى لَها
فإنك تحس فيه روح العصر العباسي، لا من حيث سهولة اللفظ فحسب، ولا من حيث المقابلة بين المعاني فحسب؛ بل من حيث ما يجري في ذلك من أثر رقة الذوق بتأثير الحضارة، وهي رقة دفعته إلى الغلو في وصف شجاعة ممدوحه، فإذا هو لجرأته وبسالته يقتحم ميادين الحرب غير لابس ترس يحميه، وبيده سيفه يضرب به في الأقران تاركًا فيهم آثاره. وقد آمن بينه وبين نفسه بأن الإنسان لا بد أن سيموت، فلا داعي للخوف؛ فلكل امرئ أجل مضروب. لا يتأخر عنه ولا يتقدم. واقرأ هذه القطعة في مديحه لهوذة بن علي سيد بني حنيفة:
إِلى هَوذَةَ الوَهّابِ أَهدَيتُ مِدحَتي ... أُرَجّي نَوالًا فاضِلًا مِن عَطائِكا
سَمِعتُ بِرَحبِ الباعِ وَالجودِ وَالنَدى ... فَأَدلَيتُ دَلوي فَاِستَقَت بِرِشائِكا٥
فَتىً يَحمِلُ الأَعباءَ لَو كانَ غَيرُهُ ... مِنَ الناسِ لَم يَنهَض بِها مُتَماسِكا
وَأَنتَ الَّذي عَوَّدتَني أَن تَريشَني ... وَأَنتَ الَّذي آوَيتَني في ظِلالِكا٦
فَإِنَّكَ فيما بَينَنا فِيَّ موزَعٌ ... بِخَيرٍ وَإِنّي مولَعٌ بِثَنائِكا٧
١ آسى: داوى.
٢ صاب المطر: سقط وانصب.
٣ ملمومة: مجتمعة. خرساء: لا يسمع لها صوت من كثرة الدروع أي ليس لها قعقعة.
٤ الجنة: الترس.
٥ الباع: الكرم وكذلك الندى. الرشاء: حبل الدلو.
٦ تريشني: تعينني وتغنيني.
٧ هكذا رواية البيت في المخطوطة اليمنية وهو مضطرب في الديوان. موزع: مولع.