تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٣٣٨
إذا نراه كثير الحديث عن القيان مثل هُرَيْرة وقُتَيلة وجُبَيْرة بل إنه ليتحدث عن البغايا اللائي يبعن أعراضهن١، ويقرنه ابن سلام في هذا الصدد بامرئ القيس فيقول: "وكان من الشعراء من يتأله في جاهليته ويتعفف في شعره ولا يستبهر بالواحش.. ومنهم من كان يتعهر ولا يبقي على نفسه ولا يتستر، منهم امرؤ القيس ومنهم الأعشى٢" وقد تمدح في شعره كثيرًا بالقمار كقوله مفتخرًا بعشيرته٣:
من شبابٍ تراهم غير مِيلٍ ... وكهولًا مَراجِحًا أحلاما٤
ولقد تُصْلَقُ القِدَاحُ على النَّـ ... ـيب إذا كان يَسرُهن غَراما٥
فهم يضربون قداح الميسر على النوق الضخمة التي يتأبى غيرهم أن يضربها عليها اعتزازًا بها، أما الخمر فهو أكبر شاعر تغني بها في الجاهلية.
وطبيعي لمن تكون حياته على هذا النحو من المجون والإثم فيه أن يكون وثنيًّا متعمقًا في وثنيته وأن لا يعتنق الإسلام ولا غير الإسلام من الأديان السماوية، وقد زعم لويس شيخو أنه كان نصرانيًّا، وشاركه في هذا الزعم بعض المستشرقين مستدلين على ذلك بأنه كان يمدح أساقفة نجران ويتصل بالبيئات المسيحية في الحيرة وبمثل قوله في القصيدة رقم أربع وثلاثين:
رَبِّي كريمٌ لا يكدِّر نعمةً ... وإذا يناشَدُ بالمهارق أنْشَدَا
والمهارق هنا الصحف الدينية؛ فكأنه يعترف بأنه نصراني، ترتَّل لربه الأناشيد الكنسية؛ غير أن هذا ليس حتمًا؛ فقد تكون لدى الوثنيين من الجاهليين مهارق كانوا يتلون فيها بعض أدعيتهم. وقد يكون البيت دخيلًا على القصيدة، وسنعرف بعد قليل أن راوي ديوانه كان مسيحيًّا، وأغلب الظن أنه هو الذي أدخل هذا البيت في القصيدة، كما أدخل في قصيدة أخرى قسمه بالمسيح في قوله٦:
١ الديوان: القصيدة رقم: ٢٢.
٢ ابن سلام ص٣٤ ويستبهر في الفواحش يتبجح بذكرها ويفصح عما حقه أن يكتتم.
٣ الديوان، القصيدة رقم٣٨.
٤ ميل: جمع أميل وهو الجبان. مراجحًا: راجحي العقول.
٥ تصلق: تضرب. النيب: الإبل الكبيرة. اليسر: القمار.
٦ انظر الديوان، القصيدة رقم٢٣ البيت١٦.