تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٥٢
وهو يفتتحها بالوقوف على أطلال سلمى، ثم يفيض في وصف مغامراته ولهوه مع بعض النساء بالضبط على نحو ما رأينا في المعلقة يقول:
سموتُ إليها بعد ما نام أهلُها ... سموَّ حَبابِ الماء حالًا على حالِ١
فقالت: سباك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي٢
فقلت: يمينَ الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
فلما تنازعنا الحديثَ وأَسمحتْ ... هَصرتُ بغضنٍ ذي شماريخ ميَّالِ٣
وصرنا إلى الحُسْنَى ورقَّ كلامُنا ... ورُضْت فذَلَّتْ صعبةً أيَّ إذلال٤.
فأصبحت معشوقًا وأصبح بعلها ... عليه القتامُ سيِّئ الظنِّ والبال٥
يَغِطُّ غطيطَ البَكْر شُدَّ خِناقُهُ ... ليقتلني والمرءُ ليس بقتَّال٦
أيقتلني والمشرفي مُضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال٧
وكأن امرأ القيس هو الذي سبق إلى هذا الغزل الفاحش الصريح، وتبعه الشعراء من بعده وإن لم يبلغوا مبلغه من الفحش والصراحة وقد تبعوه في تشبيبه الذي يودعه مقدمات قصائده وما يطوى فيه من بكاء ولوعة.
ورجع في معلقته بعد حديثه عن بيضة الخدر يصف لصاحبته شقاءه بحبها وأنه لا يستمع فيه إلى نصيحة ناصح، ولا إلى عذل عاذل، ويصور كيف يقتحم إليها الليل المخوف، ويسترسل في وصفه فيقول:
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ ... عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي٨.
١ سموت إليها: يريد نهضت إليها شيئًا فشيئًا؛ لئلا يشعر أحد بمكاني فكنت مثل حباب الماء يعلو بعضه بعضًا في رفق ومهل.
٢ سباك: باعدك في رفق ومهل.
٣ تنازعنا: تبادلنا، وأسمحت: انقادت وسهلت. وهصرت: جذبت: وأراد بالغصن قامتها وبالشماريخ شعرها شبهه بشماريخ النخل لكثرته وغزارته.
٤ رضت: أذللت، وذلت: لانت.
٥ القتام: الغبار يريد أن بعلها ساءه مار رآه من ميلها إليه فأصبح كأنه مغير كاسف الحال.
٦ يغط: يردد صوتًا كصوت البكر وهو الشاب من الإبل يشد حبل في خناقه، فيسمع له غطيط؛ كأنه يريد أن يقول إنه يردد صوتًا كصوت البعير المختنق.
٧ المشرفي: السيف، والمسنونة الزرق: السهام.
٨ السدول: الستور.