تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٣٠
وقول طُفيل الغنَوي في وصف ناقته:
وجعلتُ كوري فوق ناجية ... يقتاتُ شَحْمَ سنامها الرحل
وقول الحارث بن حلزة اليشكري:
حتى إذا التفع الظباء بأَطـ ... ـراف الظلال وقِلْنَ في الكُنْسِ٢
وفي شعرهم كثير من هذه الاستعارات الطريفة، وسنعرض لطائفة منها ومن التشبيهات في دراستنا لشعرائهم المبرزين، وكانوا يضيفون إلى ذلك عناية ببعض المحسنات التي شاعت في الشعر العباسي وكثُر استخدامها فيه حتي اتخذها بعض الشعراء مذهبًا يطبقها على جميع أبياته أو جمهورها، ونقصد الطباق والجناس، فلهما أصول في الجاهلية، ونحن نجدهما عند امرئ القيس في وصفه لفرسه إذ يقول:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا ... كجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ
كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِبدُ عَن حالِ مَتنِهِ ... كَما زَلَّتِ الصَفواءُ بِالمُتَنَزَّلِ٣.
والطباق واضح في البيت الأول ومثله الجناس في البيت الثاني. وقد أنشد المفضل الضبي لعبد الله بن سلمة الغامدي قصيدة كثر في آخرها الجناس كثرة مفرطة، حتى لكأننا بإزاء شاعر عباسي من شعراء البديع، يقول عبد الله٤:
ولقد أصاحبُ صاحبًا ذا مَأْقَةٍ ... بصِحاب مُطَّلِع الأَذَى نقريس ٥
ولقد أزاحم ذا الشذاة بمزحم ... صعب البداهة ذي شذا وشريس٦
١ الكور: الرحل، ناجية: ناقة سريعة.
٢ التفعت الظباء بالظلال: دخلت فيها واكتنت من الحر. وقلن: أمضين القائلة وهي نصف النهار. والكنس: جمع كناس وهي حفرة تحفرها الحيوانات الوحشية في أصل شجرة لتستتر فيها.
٣ الكميت: الأحمر في سواد، يزل: يسقط، يريد أنه أملس المتن. الصفواء: الصخرة الملساء، المتنزل: النازل عليها.
٤ المفضليات: ص١٠٧.
٥ المأقة: حدة الغضب، وصحاب: مصدر صاحب، مطلع الأذى: مالك له في استعلاء، والنقريس: الحاذق.
٦ ذا الشذاة: ذا الأذى. بمزحم: شديد المزاحمة. صعب البداهة: شديد المفاجأة. والشذا: الأذى، والشريس: الشراسة.