تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٢٩
جمعتُ رُدَيْنِيًّا كأَنَّ سِنَانَهُ ... سَنَا لهب لم يَتَّصِلْ بدُخانِ
وكان الجاحظ يعجب إعجابًا شديدًا بوصف عنترة لبعض الرياض وتصويره للذباب وحركة جناحيه حين يسقط، إذ يقول١:
جادَت عليها كلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ... فتركْنَ كلَّ حديقةٍ كالدِّرْهَمِ٢
فترى الذبابَ بِها يُغَنِّي وحده ... هَزِجًا كفعل الشارب المترنم
غَرِدًا يَحُكُّ ذِرَاعَه بذراعهِ ... فعل المُكِبِّ على الزِّنادِ الأَجْذم٣
فقد شبه قرارات الروضة وحفرها بالدراهم، وشبه صوت الذباب بصوت الشارب المترنم، وما زال يطب صورة نادرة حتى وقع على الصورة الأخيرة؛ إذ شبه الذباب في حركة أجنحته الدائبة حين يسقط برجل مقطوع اليدين يقدح النار من عودين أو زَندين فلا تقتدح، فيستمر في قدحه لا يفتر.
وبجانب التشبيهات الكثيرة التي تلقانا في شعرهم نجد الاستعارة بفرعيها من التصريحية والمكنية، وهي مبثوثة في أقدام أشعارهم. نجدها عند امرئ القيس ومعاصريه كما نجدها عند من جاءوا بعده، ومن أمثلتها الطريفة عند امرئ القيس تصويره طول الليل وفتوره وبطئه ببعير جاثم لا يريم؛ إذ يقول في معلقته مخاطبًا الليل:
فقلتُ له لما تمطَّى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل٤.
وأنشد ابن المعتز في كتابه "البديع" كثيرًا من استعاراتهم مثل قول أوس بن حَجر:
وإني امرؤ أعددت للحرب بعدما ... رأيتُ لها نابًا من الشر أَعْصَلا٥
وقول علقمة بن عبدة:
بل كلُّ قوم وإن عَزُّوا وإن كرموا ... عَريفُهم بأثافي الشرِّ مَرْجُومُ٦
١ الحيوان: ٣/ ٣١٢، ومختار الشعر الجاهلي للسقا: ص٣٧١.
٢ العين الثرة هنا: السحابة غزيرة المطر، وشبه الحديقة بالدرهم في استدارته.
٣ الأجذم: مقطوع اليدين.
٤ الكلكل: الصدر.
٥ الأعصل: المعوج في صلابة.
٦ العريف: الرئيس، والأثافي: الحجارة التي تنصب عليها القدر، استعارها لنوائب الدهر.