تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٢٨
في هذا الجانب وكيف حققوا لموسيقاهم مهما جَزُلَتْ وتضخمت كل ما يمكن من بهاء ورونق.
وقد استعانوا منذ أقدم أشعارهم؛ لغرض التأثير في سامعيهم، بطائفة من المحسنات اللفظية والمعنوية، وأكثرها دورانًا في أشعارهم التشبيه؛ فلم يصفوا شيئًا إلا قرنوه بما يماثله ويشبهه من واقعهم الحسي، فالفرس مثلًا يشبه من الحيوان بمثل الظبي والأسد والفحل والوعل والذئب والثعلب ويشبه من الطير بالعقاب والصقر والقطاة والباز والحمام، ويشبه بالسيف والقناة والرمح والسهم وبالأفعوان والحبل والهراوة والعيب والجذع وتشبه ضلوعه بالحصير وصدره بمداك العروس وغرته بخمار المرأة والشيب المخضوب ومنخره بالكير وعرفه بالقصبة الرطبة وحافره بقعب الوليد وعنقه بالرمح والصعدة وعينه بالنقرة والقارورة ولونه بسبائك الفضة وارتفاعه بالخباء. وكل هذه الأوصاف والتشبيهات مبثوثة في المفضليات والأصمعيات، ويعرض علينا امرؤ القيس في وصفه لفرسه بمعلقته طائفة طريفة منها. وعلى نحو ما لاحظنا آنفًا كانوا يحاولون الإطراف في التشبيه، حتى يخلبوا ألباب سامعيهم، وقد يقعون على صورة نادرة كتصوير المتنخل اليشكري لغدائر بعض النساء بأنها كالحيات، يقول١:
يَعْكُفْنَ مِثْلَ أَساودِ الـ ... ـتَّنُّوم لم تُعْكَفْ لزُورِ٢
وكانوا يشبهون المرأة بالبدر والشمس، وألم سويد بن أبي كاهل بهذا التشبيه، وحاول أن يخرجه إخراجًا جديدًا فقال٣:
حرّة تَجْلُو شَتِيتًا واضحًا ... كشعاع الشمس في الغَيْم سَطَعْ٤
فجعل أسنان صاحبته المفلجة البيضاء كشعاع الشمس يبزغ من خلل الغيم.
وكانوا يشبهون الرمح بالجمر ولهبه، وألمّ عَميرة بن جُعْل بهذا التشبيه فأضاف إليه إضافة جديدة؛ إذ قال٥:
١ الأصمعيات: ص٥٤.
٢ يعكفن: يمشطن شعرهن، والأساود: الأفاعي، والتنوم: شجر، ولم تعكف لزور كناية عن عفتهن.
٣ المفضليات: ص١٩١.
٤ الشتيت: المتفرق يريد أسنانها المفلجة، واضحًا: أبيض.
٥ المفضليات ص٢٥٩، والرديني: الرمح.