تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢١٧
حرِق الجناح كأنَّ لَحْيَ رأسِه ... جَلمانِ بالأخبار هَشٌ مولع١
إن الذين نَعَيتَ لي بفراقهم ... هم أسهروا ليلي التمام فأوجعوا٢
وكانوا يذكرون القطا والجراد والعصافير والنمل والعنكبوت والحمام ونوحه وما يهيج فيهم من شوق وشجا. وقد أفاض الجاحظ بكتابه الحيوان فيما جاء على ألسنتهم من وصف ذلك كله وتصويره وينبغي أن لا نعتد بما جاء فيه من قصص أسطوري عن طوق الحمامة والديك والغراب والهدهد والحيات مما ساقه على لسان أمية بن أبي الصلت؛ فقد حمل عليه شعر كثير وضعه القصاصون والرواة. وقد استرعى الجاحظ كثرة ما جاء على ألسنتهم من وصف فلواتهم٣ ووصف البرد وقوارصه والحر وهواجره٤ وما يجري في ديارهم أحيانًا من خصب بعد مطر غزير٥.
وفي معلقة امرئ القيس قطعة طويلة يصف فيها سيلًا عَرمًا نزل في مواطن بني أسد بالقرب من تيماء. ويتردد هذا الوصف في شعره وشعر شاعرهم عبيد بن الأبرص.
وكما أكثروا من ذكر الخصب ورطوبة النبات ولدونة الأغصان وكثرة الماء أكثروا من وصف الجدب، وطالما وصفوا وعوثة الصحراء ومخاوفهم في لياليها من الجن والشياطين. وكادوا لا يتركون شيئًا يتصل بهم إلا وصفوه. فوصفوا الرعي والمراعي، ووصفوا الأسلحة والحروب، ووصفوا الخمر وأوانيها وسقاتها ومجلسها وأثرها. وكانوا يقحمونها كما قدمنا في حماستهم. ويفتخرون بأنهم يسقونها الصحاب والرفاق على صوت القيان ومع نحر الجزور، يقول ثعلبة بن صعير في حماسية له٦:
أَسُمَيَّ ما يدريك أَنْ رُبَّ فِتْيَةٍ ... بيض الوجوه ذوي ندى ومآثر
باكرتهم بسباء جون ذارعٍ ... قبل الصباح وقبل لغو الطائر٧
١ حرق: أسود، وشبه لحييه بالجلمين؛ لأنه يخبر بالفرقة كما يقطع الجلمان أو المقراضان.
٢ نعب: صاح، ليلي التمام: الشديد الطول.
٣ الحيوان: ٦/ ٢٥٥ وانظر الأصمعيات رقم٦١ بيت٢٩ وما بعده والمفضليات رقم ٧٥.
٤ الحيوان: ٥/ ٧٣، ٥/ ٧٨ وما بعدها وانظر المفضليات رقم١٢٠ بيت٥٠، ٥١.
٥ الحيوان: ٣/ ١٢٠ والمفضليات: ص٣٣٥.
٦ المفضليات: ص١٣٠.
٧ السباء: اشتراء الخمر، الجون: الزق الأسود: الذارع: المختلط بالماء.