تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢١٥
بصوت القصب وخفافها بالمطارق. وقد يشبهونها بالجبل ويشبهون صدرها بالطريق وكانوا يشبهونها بكثير من الحيوان مثل الظليم والثور وحمار الوحش، وحينئذ يستطردون إلى وصف هذه الحيوانات وما يكون من عراك بينها وبين كلاب الصيد١، يقول الجاحظ: "ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرئية أو موعظة أن تكون الكلاب هي التي تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحًا وقال كأن ناقتي بقرة من صفتها كذا أن تكون الكلاب هي المقتلوة. ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها؛ ولكن الثيران ربما جرحت الكلاب وربما قتلتها. وأما في أكثر ذلك فإنها تكون هي المصابة والكلاب هي السالمة والظافرة وصاحبها الغانم"٢. وكأنهم كانوا يتخذون قتل الكلاب في المديح رمزًا لأعداء الممدوح، وكانوا فعلًا يشبهونهم بالكلاب٣.
وعلى نحو ما أكثروا من وصف الإبل أكثروا من وصف الماعز، كما أكثروا من وصف الخيل وشبهوها بضروب من السباع المنعوتة بالمخالب وطول الأظفار ولامرئ القيس قطعة بديعة بمعلقته يصف فيها فرسه الذي اتخذه للصيد، وفيها يقول:
له أَيطلا ظَبْيٍ وساقا نعامَةٍ ... وإرخاءُ سِرْجانٍ وتقريب تَتفُلِ٤
يقول أبو عبيدة: "ومما يشبه خلقه من خلق النعامة طول وظيفها٥ وقصر ساقيها وعُرْي نسيبها٦ ومما يشبه من خلقه خلق الأرنب صغر كعبها، ومما يشبه من خلقه خلق الحمار الوحشي غلظ لحمه وظمأ فصوصه وسَراته٧ وتمحُّص٨ عصبه وتمكن أرساغه وعرض صهوته١٠، ومما يشبه من خلقه خلق الكلب هَرَتُ١١ شدقه وطول لسانه وكثرة ريقة وانحدار قَصِّه١٢ وسبوغ ضلوعه وطول ذراعيه ورُحْب
١ انظر في ذلك معلقة لبيد والمفضليات رقم ١٧ بيت ٦٤ وما بعده حيث وصف مزرد صائدًا مسميًّا كلابه الستة.
٢ الحيوان: ٢/ ٢٠.
٣ الأصمعيات: ص١٣٠.
٤ أيطلا الظبي: خاصرتاه، الإرخاء: سير السرحان وهو الذئب. والتتفل: الثعلب، وتقريبه: قفزه ووثبه.
٥ الوظيف: مستدق الساق والذراع.
٦ النسي: عرق في الساق
٧ ظمأ هنا: ضمور، الفصوص: ملتقى كل عظمتين، سراته: أعلاه.
٨ تمحص: شدة.
٩ الرسغ في الحيوان: المستدق بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل.
١٠ الصهوة: مقعد الفارس على الفرس.
١١ هرت: اتساع.
١٢ قصه: صدره.