تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٠٩
وكانوا يكثرون من تأبين من يموتون منهم في ميادين الحرب، وقد يضمنون هذا التأبين هجاء لاذعًا لخصومهم وفخرًا بعشيرتهم ومآثرها وأيامها، على نحو ما نجد في قصيدة المرقش١:
هل بالديار أن تجيب صَمَمْ ... لو كان رسم ناطقًا كلَّم
فقد بدأها بالغزل وخرج منه إلى الرثاء؛ فمديح بعض ملوك الغساسنة، ثم فخر بقومه، وهجا أعداءهم. وقد يجعلون القصيدة خالصة للتأبين، على نحو ما صنع دريد بن الصِّمَّة في مرثية أخيه عبد الله٢.
أرث جديدُ الحبل من أم معبد ... بعاقبةٍ وأخلفت كل موعد
وقد استهلها على هذه الشاكلة بالغزل، ثم مضى يرثي أخاه مصورًا مصرعه وولهه به وجزعه ومتحدثًا عن خلاله الحميدة من الشجاعة والجود والمضاء والصبر والحزم.
ولم يؤبنوا أبطالهم من القتلى فحسب؛ بل فسحوا في مراثيهم لتأبين أشرافهم وإن ماتوا حتف أنوفهم، فخرًا بهم واعتزازًا بمناقبهم وأعمالهم ومآثرهم، وقد نجدهم يستنزلون لهم الغيث من السماء حتى تصبح قبورهم رياضًا عطرة، ومن رائع تأبينهم مرثية أوس بن حجر لفضالة بن كَلَدة الأسدي، وفيها يقول٣:
أَيَّتُها النفسُ أَجْمِلي جَزَعَا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة والنَّـ ... ـجدةَ والحزمَ والقوى جُمَعا
الألمعيّ الذي يظن لك الـ ... ـظن كأن قد رأى وقد سمعا٤
المخلفَ المتلفَ المرزَّأ لم ... يُمتع بضعف ولم يمت طِبعَا٥
أودى وهل تنفع الإشاحةُ من ... شيء لمن قد يحاول البِدَعَا٦
١ المفضليات: ص ٢٣٧.
٢ الأصمعيات: ص ١١١، أرث: أخلق. بعاقبة: بآخرة.
٣ ديوان أوس بن حجر ص ٥٣ والأغاني: ١١/ ٧٤.
٤ الألمعي: حاد الذكاء، يريد أنه يحدس الأمور فلا يخطئ وأنه فطن صادق الظن جيد الفراسة.
٥ المرزأ: الذي تصيبه الرزايا في ماله لكرمه، يمتع: يصاب، الطِبع: اللئيم.
٦ أودى: مات، الإشاحة: الجد في طلب الشيء، البدع: الأمور الغريبة.