تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي - شوقي ضيف - الصفحة ٢٠٤
رَدَسْناهُم بالخيل حتى تملَّأَتْ ... وافي الضباع والذئاب السَّواغب١
عَذريني أَطوف في البلاد لعلني ... ألاقي بإثرٍ ثُلَّةً من محاربِ٢
وواضح أنه يتشفى من قتلة أخيه؛ فقد ظفر مع جمع من قبيلته بأعدائه من فزارة، فأخذتهم سيوفهم من أمام ومن وراء، ومسهلين في الأرض. وبصور ما لقيته مُرَّة في الحرب من بلاء شديد وكيف هربت أشجع وكيف نكلوا ببني ثعلبة وبني محارب، حتى شبعت منهم الضباع. ويتهددهم بأنه سيعيد الكرَّة عليهم. وفي كل مكان يدوِّي مثل هذا النشيد، ومن روائعهم في هذا الباب معلقة عمرو بن كلثوم، وفيها يصيح بانتصارات قومه وأيامهم المعلمة المشهورة من مثل قوله:
متى ننقل إلى قوم رَحانا ... يكونوا في اللِّقاء لها طَحِينا
يكون ثِفالُها شرقيَّ نجدٍ ... ولهوتها قضاعة أجمعينا٣
تطاعن ما تراخى الناس عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غُشينا
بِسُمْرٍ من قَنَا الخَطِّيِّ لدن ... ذوابل أو ببيض يعتلينا٤
نشق بها رءوس القوم شقًّا ... ونخليها الرقاب فتختلينا
كأن جماجم الأبطال فيها ... وسوق بالأماعز يرتمينا٥
ورثنا المجد قد علمت معد ... تطاعن دونه حتى يبينا٦
ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأَحفاض نمنع من يلينا٧
نجذُّ رءوسهم في غير وتر ... فما يدرون ماذا يتقونا٨
١ ردسناهم: رميناهم، العوافي: الجائعة، وكذلك السواغب.
٢ الثلة: الجماعة من الناس.
٣ الثفال: خرقة توضع تحت الرحى لاستقبال ما يطحن، اللهوة: القبضة من الحب.
٤ توصف الرماح بالسمرة لذبولها، وقنا الخطى: نسبة إلى الخط وهي بلدة كانت على ساحل البحرين تشتهر بصناعة القنا، اللدن: المرنة. البيض: السيوف.
٥ الأماعز: الأراضي الصلبة، الوسوق: جمع وسق وهو الحمل.
٦ يبين: يتضح.
٧ العماد: جمع عمود، خرت: سقطت، الأحفاض: متاع البيت، يقصد بذلك رحلة الحي للحرب.
٧ الوتر: الثأر، ونجذ: نقطع.